لو حل السلام في إقليم دارفور السوداني لكان أولى ضحاياه الشخصيات القيادية لحركات التمرد المسلحة، لأن حلول السلام سوف يمهد لإجراء انتخابات عامة في الإقليم. وهذا اختبار كبير وحاسم تدرك هذه القيادات سلفاً أنها غالباً لن تنجح فيه وأنها بالتالي تركب مخاطرة هي في غنى عنها.

التفاوض الجاد هو الطريق الأوحد الذي يقود إلى السلام الذي بدوره ينطوي على الامتحان الانتخابي. وعليه نعرف لماذا يتحاشى قادة الحركات قادة فصائل التمرد أية مبادرة يمكن أن تقود هذا الطريق. هناك أكثر من 20 فصيلاً متنافساً ويدعي كل منها أنه الممثل الشرعي والأوحد لشعب دارفور. ولكن برز في المقدمة فصيلان يسلط الإعلام العربي الأضواء عليهما..

وهما «حركة العدل والمساواة بزعامة خليل إبراهيم و«حركة تحرير السودان» بزعامة عبد الواحد محمد نور، غير أن من الضروري أن نلاحظ أن هذه الفصائل جميعاً بما في ذلك «العدل والمساواة» و«تحرير السودان» ـ لا تمثل تيارات أو أيدولوجيات سياسية.. إنما تمثل انتماءات قبلية. لكن هذه الانتماءات محصورة في عدد محدود من القبائل (اثنتين أو ثلاث) التي تصنف بأنها «إفريقية».

فليس من بين هذه الفصائل فصيل واحد يمثل القبائل الأخرى التي تصنف كمجموعات قبلية «عربية» علماً بأنها ـ أي القبائل العربية ـ تشكل نصف سكان الإقليم على أقل تقدير.

هذا الوضع المعقد هو الذي يجعل قادة فصائل التمرد المسلح يتهيبون دخول تجربة انتخابية من المؤكد أنها سوف تنبثق عن اتفاق سلام. وهي بالتالي تتخوف من الامتحان التفاوضي الذي يقود إلى السلام، أمامنا الآن المبادرة العربية، الإفريقية التي تقودها دولة قطر الهادفة إلى تحقيق تسوية تفاوضية سلمية لأزمة دارفور عن طريق جمع ممثلي الحكومة السودانية مع قادة الفصائل.

أولى العقبات التي واجهت لجنة المبادرة هي كيفية تمثيل الجانب الدارفوري.. أي العثور على إجابة عن سؤال «من يحق له أن يمثل أهل دارفور ويملك الصفة الشرعية للتفاوض باسمهم»، بالطبع لن يملك هذا الحق فصيل واحد بعينه مهما نفخ الإعلام الغربي في صورته.

ومن الناحية الأخرى كيف يمكن مشاركة 20 فصيلاً في العملية التفاوضية.. وكل من هذه الفصائل لا يعترف بأن للآخرين شخصية تمثيلية؟ وثمة سؤال آخر لا يقل أهمية: من يمثل النصف الآخر من سكان دارفور.. أي القبائل العربية؟ لم يكن مثار دهشة إذن أن «العدل والمساواة» و«تحرير السودان» (عبدالواحد) رفضتا المبادرة: رفض مغلف من الأولى ورفض صريح من الثانية.

opinion@albayan.ae