ما جرى، ويجري في مدينة الخليل المحتلة خطير جداً، تماماً كخطورة ما جرى ويجري في كل فلسطين الجغرافية من النهر إلى البحر.
مكمن الخطورة ينبع من أن عصابات المستوطنين انفلتت من عقالها ومارست وحشيتها ضد أهل الخليل العزّل.. فأحرقت البيوت ودمّرت المحال التجارية وكشرت عن أنياب الإرهاب، وهي أصلاً ليست بحاجة لتؤكد للفلسطينيين والعالم أن الإرهاب هو عقيدة إسرائيل الوحيدة.
و... مكمن الخطورة أيضاً أن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني اليوم هو فصل جديد من مسلسل طويل، بدأ منذ نهايات القرن التاسع عشر ولا يزال مستمراً دون توقف.
ألا تذكّرنا ممارسات قطعان المستوطنين في الخليل تحديداً، وبحماية الجيش الإسرائيلي، وفي كل شبر من أرض فلسطين بما كانت تمارسه العصابات الصهيونية الإرهابية منذ بدايات القرن العشرين الماضي وحتى اغتصاب فلسطين وما بعدها؟!
لنتذكر اليوم أن العرب بعد النكبة لم يعترفوا بإسرائيل، وأطلقوا عليها تسمية استنكرها الغرب «المتحضر» الذي صنع إسرائيل وزرعها وأشرف على نموها، وهي: «دولة العصابات الصهيونية».
هل جاءت تلك التسمية عبثاً؟ وهل أراد العرب الاستخفاف بإسرائيل حينها، بحيث أطلقوا التسمية عليها مجازاً؟ أم إن التسمية بنيت على حقائق لا ينكرها حتى الصهاينة أنفسهم؟
على العرب تنشيط ذاكرتهم اليوم كي يعرفوا أن الخطر داهم، والآتي أعظم، وأنه يستهدف العرب، كل العرب، مهما بعدت حدودهم، ومهما حصلوا على «ضمانات وطمأنات» من وراء المحيطات!!
بدأت الحكاية كما يعرف الجميع من مؤتمر بال عام 1897 الذي أطلق الوحش الصهيوني من قمقمه، وسال لعاب الصهاينة والمتصهينين على فلسطين وعملوا بجد وتنظيم وتخطيط للاستيلاء على فلسطين.
كان مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل أول من نادى بطرد «السكان الفلسطينيين» من أرضهم وبيوتهم ليحل محلهم اليهود المهاجرون الذين بدؤوا يتقاطرون على فلسطين من كل حدب وصوب.
وأنشئ أول «كيبوتس» أي (مستوطنة أو مستعمرة) في عام 1909 وولدت معه في العام نفسه أول منظمة «أمنية» للدفاع عن المستوطنين تدعى «هاشومير» إلا أن ازدياد الهجرات وعدد المهاجرين وإقامة المزيد من المستوطنات، كل ذلك جعل المستعمرين بحاجة إلى «منظمة أمنية» أكثر قوة وتنظيماً وبطشاً، وذلك وفقاً لمخطط مدروس وضعت خطوطه العريضة في مؤتمر بال المشار إليه.
في ضوء كل ذلك، وبعد اشتعال الثورة الفلسطينية الأولى عام 1920 على خلفية وعد بلفور المشؤوم، تم إنشاء منظمة «هاغانا» الإرهابية التي ضمت في صفوفها عشرة آلاف مقاتل مسلح بأحدث الأسلحة في ذلك الوقت، إضافة إلى أربعين ألف جندي احتياط، وكانت جيشاً فعلياً بكل ما تعني الكلمة.. يقوم أولاً على نظام الميليشيات والفصائل التي تنفذ عمليات ترويعية إرهابية لإجبار الشعب الفلسطيني على الهجرة.
هذه العصابة «أي الهاغانا» التي فرّخت العديد من المنظمات الإرهابية مثل أراغون وشتيرن وغيرهما، مارست المجازر الجماعية ضد القرى والبلدات الفلسطينية منها: دير ياسين اللد الرملة الطنطورة سوق حيفا سوق الخضار في القدس مساجد القدس قبية كفر قاسم، والقائمة تطول... إذ تجاوز عدد المجازر قبل عام 1948 الثمانين مجزرة، ما أدى إلى مسح 478 قرية وبلدة فلسطينية من أصل 585 قرية.
ما جرى قبل عام 1948 كان حرب إبادة وتطهير عرقي لا تزال مستمرة حتى اليوم.
لماذا نذكّر العرب والعالم بهذا التاريخ الأسود للعصابات الصهيونية؟ ولماذا ننشط الذاكرة الآن؟.
نعود الى ما تشهده مدينة الخليل، لأن ما جرى هو طبعة مستنسخة عن تلك المجازر، مع أنه لم يصل إلى حد المذابح الفعلية، والهدف هو تهجير أهل الخليل وغيرها من المدن والبلدات الفلسطينية، أكانت في الضفة أو داخل فلسطين المحتلة عام 1948 حيث يعيشون في ظل نظام فصل عنصري يشبه ما كان سائداً في جنوب افريقيا ذات يوم.
لماذا ننشّط الذاكرة اليوم؟
ألا يشبه اليوم الأمس؟.. ألا تشبه ممارسات إسرائيل اليوم ممارسات العصابات الصهيونية قبل اغتصاب فلسطين وبعدها؟
ثم ألا يتذكر العرب ـ والعالم بعدهم ـ أن الجيش الإسرائيلي نفسه تشكل من عصابة «هاغانا» التي كانت نواته الرئيسية؟ أَوَلا يتذكر العالم أن العصابات الإرهابية التي لم تتحول إلى الجيش صارت أحزاباً سياسية هي التي حكمت إسرائيل منذ 1948 وحتى اليوم؟
عندما أطلق العرب تسمية «دولة العصابات الصهيونية» على إسرائيل كانوا يقصدون حرفية العبارة... فالعصابات هي التي شكلت الحكومات بدءاً من حكومة ديفيد بنغوريون وحتى حكومة ايهود أولمرت الحالية.
و«الهاغانيون» الجدد مثلهم مثل «الهاغانيين» المؤسسين للإرهاب في أرض فلسطين هم الذين يقومون بالقتل والتنكيل والاغتيالات، وهم الذين يحاصرون قطاع غزة ويقتلون شعب فلسطين إن لم يكن بالرصاصة والصاروخ، فبالتجويع والحرمان والعالم.. صامت.. صامت.. صامت.. والعرب للأسف أكثر صمتاً.. فماذا
