يُشَّبه البعض الكويت هذه الأيام بإيطاليا التي هي من أكثر الدول الديمقراطية العريقة التي لا تلبث فيها الحكومة إلا فترة قصيرة من الزمن لتحل مكانها حكومة أخرى!! فنادراً ما أكملت حكومة من حكومات إيطاليا دورتها المعتادة، ويبدو أننا ككويتيين أصبحنا نشاطر الطليان مزاجهم في «التغيير» و «التدوير»!!
فقد كلف أمير البلاد سمو الشيخ صباح الأحمد الصباح رئيس الوزراء المستقيل الشيخ ناصر المحمد بتشكيل وزارة جديدة ستكون لو سارت الأمور بشكل طبيعي ودون مفاجآت الحكومة الخامسة في غضون عامين ونيف تقريباً!!
وهذا التكليف لم يصدر بمرسوم كما جرت العادة، بل نقل خبره رئيس مجلس الأمة الكويتي جاسم الخرافي الذي التقى سمو الأمير الإثنين الماضي ليبلغ 24 نائباً اجتمعوا في مكتبه فيما بعد بأن «سمو الأمير أراد إيصال رسالة طيبة للنواب بقبول استقالة الحكومة، وعلى النواب رد التحية بأحسن منها.»!!
وسرعان ما انتزع فتيل أزمة جديدة كادت هذه المرة أن تقع بين رئيس المجلس ونوابه، حيث بناءً على استقالة الحكومة (التي لم يصدر بشأنها مرسوم أميري) صرح جاسم الخرافي للصحافة بأن جلسات مجلس الأمة ستعلق لمدة شهرين ليعطي المحمد وقتاً كافياً لتشكيل وزارته.
فما كان من غالبية النواب إلا أن اعترضوا على تأجيل الجلسات على اعتبار أن الحكومة قائمة وبالتالي، فالدعوة إلى الجلسات القادمة يجب أن توجه لنواب مجلس الأمة وللوزراء حتى لو كان في حكم المؤكد أن الحكومة لن تحضرها!!
وقد أتى الضغط النيابي أكله، حيث دعا رئيسه إلى ثلاث جلسات كانت مقررة سلفاً ستعقد بعد عيد الأضحى المبارك، وبالطبع لن تحضرها «حكومة تصريف العاجل من الأعمال»، كما باتت تسمى.
وعانت حكومات الشيخ ناصر المحمد من قصر عمرها فضلاً عن التعديلات التي جرت في كل تشكيلة من تشكيلاتها بسبب استقالات بعض من وزرائها. فوزارته الأولى لم تعمر سوى خمسة أشهر تقريباً ( من 9 فبراير إلى الأول من يوليو 2006) وخرج أثناءها د. أنس الرشيد.
والثانية، التي كانت بقدر عمر الأولى فقد استقال منها وزير الإعلام محمد السنعوسي تجنباً للاستجواب، في حين لم تستمر وزارته الثالثة سوى شهرين ـ أو أقل قليلاً ـ لتعدل في 28 من شهر أكتوبر من هذا العام، وكان أبرز المستقيلين منها الشيخ علي الجراح، وزير النفط بسبب استجواب عاصف، والوزيرة الكويتية الأولى د. معصومة المبارك جراء حريق شب في أحد المستشفيات!! وربما تكون الوزارة الحالية المستقيلة هي الوحيدة التي كانت قاب قوسين أو أدنى من الستة أشهر عمراً!!
والحق أن هذا التقطع في حياة الوزارات الكويتية قد خلق ظواهر سياسية فريدة أصبحت الكويت تتميز بها فضلاً أنها باتت تشيع الاضطراب في آليات عمل الدولة. فهي قد ولدت حالة «التخوف» من دخول الوزارة لأصحاب الكفاءات البعيدين عن التيارات السياسية المشهود لهم بالنزاهة والتميز في الأداء الإداري!!
فهؤلاء أضحوا يتجنبون أن تطرح أسماؤهم ضمن التشكيلات الوزارية لأنهم يشعرون بالعجز وقلة الحيلة، أمام نواب متحفزين لا يعجبهم العجب ويريدون أن يكون الوزراء من لونهم السياسي فقط!! وهنا في الحقيقة مكمن إحدى مشكلات الحياة النيابية في الكويت والتي تكمن في عدم تشكيل «حزب الأغلبية» الحكومة، علماً بأن الأحزاب ما زالت غير مرخص لها قانوناً رغم وجودها الفعلي على شكل تجمعات سياسية!!
لا ندري إن كانت الحكومة التي يقوم بتشكيلها الشيخ ناصر المحمد هذه الأيام سترضي نواب الكتل المختلفة بحيث يتم التعاون معها وتمضى الحياة النيابية بيسر وسلاسة لتقوم المؤسسة التشريعية بدورها جنباً إلى جنب مع المؤسسة التنفيذية، خاصة وأن الكويت بحاجة إلى فترة من الاستقرار في ظل الأزمة العالمية التي أخذت تطال المنطقة. فأسعار النفط الهابطة ستدفع ميزانية الكويت لخانة العجز في السنة المالية القادمة، كما توقع تقرير أقدم بنك في الكويت تأسس قبل أكثر من نصف قرن وهو البنك الوطني. ولا شك أن العجز سيثقل كاهل الدولة ويقيد خياراتها بعد التوسع الذي قامت فيه أثناء فترة الرخاء في زيادة رواتب موظفيها!!
ولا شك أن تكليف سمو أمير دولة الكويت للشيخ ناصر المحمد بتشكيل وزارة جديدة يدل على رغبة سمو الأمير بالتمسك بالتجربة الديمقراطية وتجنيب الكويت مرة أخرى، وبأقل من نصف عام في الدخول في انتخابات جديدة. وهذه المبادرة الحكيمة يجب أن يقابلها نواب الشعب بروح الواقعية وتجنب المزايدات التي ستوصل الجميع إلى اليأس والإحباط، والتي ستجعل قواعدهم الشعبية أكثر قبولاً لحلول غير دستورية.
فتجربة الكويت التي قاربت أن تصل إلى نصف قرن في مداها الزمني يجب أن يكون نواب مجلس الأمة أول المحافظين عليها، ولعل المطلوب من هؤلاء قبل غيرهم هو قراءة موازين القوى الداخلية قراءة صحيحة ليحافظوا على المكتسبات التي بأيديهم، لأنه «طير باليد خير من عشرة على الشجرة»!
كاتب كويتي