خلال مدة لا تتجاوز الأربع سنوات شغل فيها «شيفراح باتيل» وزارة الداخلية الهندية شهدت الهند ما يقارب العشرين عملية إرهابية، وإذا كانت السنوات الأربع المنصرمة وحتى الأسبوع الماضي كانت وتيرة العنف أقل نسبياً من تلك التي واكبت الأربع التي سبقتها إلا أن ثمانية حوادث رئيسية شهدها هذا العام حصدت ـ حتى كتابة هذه الأسطر ـ ما يقارب الأربعمئة قتيل.

بصفة عامة مثلت هجمات مومباي والتي شنتها مجموعة تطلق على نفسها «مجاهدين ديكان» أي مجاهدو الجنوب ـ تحولا جذرياً وتطوراً نوعياً في تكتيكات «العمل الجهادي» استلهم فيه المهاجمون إلى حد ما جانباً من نمط عمليات تنظيم قاعدة الجهاد، كما حمل الهجوم رسالة وهي أن المجموعة المهاجمة تعمل في قضايا «جيوبوليتيكية» بهدف التأثير على الاستقرار الإقليمي للدول الحليفة للولايات المتحدة، ومع ذلك فإن هذه الهجمات فاقت من حيث التخطيط والتنفيذ والتأثير هجمات تنظيم القاعدة وغيره من التنظيمات الجهادية الأخرى، لأن نمط العملية وما والاها من أعمال قتل واحتجاز وتدمير وتخويف لا يوجد له نظير في كتيبات العمل الجهادي.

لقد سعى المهاجمون إلى إحداث أكبر قدر من القتل، والتدمير، ورغم أنهم ركزوا أحياناً على جنسيات الضحايا إلا أن الحصيلة الكبرى من الضحايا كانت من نصيب المواطنين الهنود وهو ما يُظهر أن الجماعة قد هدفت من وراء هذه الأعمال الإرهابية إلى تحقيق أجندة إقليمية وسياسية تتعلق بالهند تحديداً.

والملفت أيضاً في هذه العملية اتجاه المجموعة المهاجمة إلى احتجاز رهائن رغم أنها لم تبد أية مؤشرات للتفاوض مع الحكومة الهندية، وهو أسلوب أرادت منه الجماعة إطالة مدة العملية وتحقيق أكبر قدر من الزخم الإعلامي والتأثير على الاقتصاد الهندي. وجهت الاستخبارات الأميركية مطلع هذا العام اتهامات إلى المخابرات الباكستانية حول دورها في الهجوم على السفارة الهندية في كابول بسبب دور هندي في دعم حركة طالبان وعناصر انفصالية داخل باكستان.

ولم تكد تمضي ساعات قليلة على بداية الهجوم على مومباي حتى بدأت السلطات الهندية ربط المنفذين بجماعة «عسكر طيبة» من خلال أدلة ظرفية، ولم تمض ساعات على انتهاء العملية والقضاء على المهاجمين حتى أعلنت الهند رسمياً ضلوع جماعة «عسكر طيبة» في الهجوم على مومباي وسلمت باكستان قائمة من عشرين شخصاً متهمين بالتخطيط لهذا الهجوم، وعلى رأس القائمة حافظ سعيد أحد أركان «جماعة عسكر طيبة».

والواقع أن باكستان لم تستطع حتى الآن تجميد نشاط جماعة عسكر طيبة، فمنذ الهجوم الذي شنته الجماعة على البرلمان الهندي عام 2002 اتخذت الحكومة الباكستانية قراراً بحظر نشاط جماعة «عسكر طيبة» وهي الجناح العسكري ل«جماعة الدعوة» التي يقع مقرها في مدينة «موريد كه» قرب لاهور، إلا أن الجناح الدعوي في هذه الجماعة لايزال يمارس نشاطاً دعوياً واجتماعياً، في حين تتهم الهند «جماعة الدعوة» - الجماعة الأم لعسكر طيبة - في الاستعداد بالدعم المالي وتدريب عناصر هذه الجماعة.

أفرزت القضية الكشميرية ثلاثة فصائل مسلحة تعمل في إطار هذه القضية، إلى جانب عسكر طيبة، هناك كبرى الحركات المسلحة، وهي «حركة المجاهدين» المرتبطة بالجماعة الإسلامية الباكستانية بزعامة قاضي حسين أحمد، وحركة أخرى هي حركة المجاهدين الكشميرية التي آثرت الدخول في إطار «الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين» عام 1998، وبذلك أصبحت مدرجة ضمن المنظمات الإرهابية في اللائحة الأميركية للإرهاب.

إن المتابع لمسيرة «العمل الجهادي» في هذه المنطقة بالتحديد، ولاسيما حادثة الهجوم على البرلمان الهندي وقطار الصداقة واشتباكات نيودلهي 2007، لن يجد كثيراً من العناء في ترجيح مسؤولية «عسكر طيبة» عن عملية مومباي، فهي نسخة كربونية لعملية اقتحام البرلمان الهندي عام 2002، والذي سعى من خلاله مقاتلو عسكر طيبة لاحتجاز رهائن داخل البرلمان، كما يعضد من هذا الترجيح عمق التواجد الذي تتمتع به «عسكر طيبة» داخل كشمير الهندية، مما يمهد لها أي عملية ويهيئ لها مرونة في التسلل وتنفيذ عمليات داخل العمق الهندي.

يشير أسلوب تنفيذ العملية إلى عدة دلائل ومؤشرات وهي:

1 ـ إن المجموعة المنفذة للهجوم تمثل جيلاً جديداً من عناصر «جماعة عسكر طيبة» وهي عناصر تتسم بالتدريب العالي، والشراسة والتصميم في تنفيذ العمليات.

2 ـ نجاح جماعة «عسكر طيبة» في تجنيد عناصر أوروبية وخاصة داخل المملكة المتحدة وهو ما يظهر من الحديث عن أن بعض المهاجمين يحملون الجنسية البريطانية من منطقة ليدز وبرادفورد، ويحقق ذك مرونة لعناصر الجماعة في التحرك والاستطلاع والمعاينة إذ لا يثير حملة الجنسيات الغربية في الغالب أية شبهة أمنية.

3 ـ استفادة المجموعة المهاجمة من التطور التكنولوجي، وتوظيفه في تفعيل آليات التخطيط والاستهداف حيث استخدم المهاجمون برنامج «جوجل ايرث» لدراسة شوارع منطقة العمليات والتعرف على مداخل ومخارج المنطقة مما وفر للمجموعة الكثير من الوقت والجهد والمخاطرة التي ربما كانت ستتعرض لها عناصر العمليات أثناء مرحلة الاستكشاف.

4 ـ الدراسة المتأنية للأهداف، واختراق مناطق الاستهداف قبل العملية بعدة أشهر إذ استطاعت المجموعة أن توظف بعض العناصر التابعة لها في فندق تاج محل قبل الاستهداف بستة أشهر، وهو ما سهل للمهاجمين التحرك والتركز داخل الفنادق المستهدفة.

5 ـ عدم جدية التعامل الأمني مع التهديدات الإرهابية، ففي أكتوبر الماضي أبلغت المخابرات الأميركية نظيرتها الهندية باحتمال وقوع هجوم عن طريق البحر، وقبل العملية بستين ساعة تلقى مدير فندق تاج محل تحذيرات من عمل إرهابي.

كان من الطبيعي أن يكون هناك ارتدادات لهذه العملية خاصة بعد أن تم ربط العملية بعسكر طيبة، وحجم الأضرار المادية والبشرية التي خلفها هذا الهجوم:

1 ـ مثلت هذه العملية الإرهابية ضربة قوية للاقتصاد الهندي، إذ ترتب على الهجوم إغلاق بورصات الأسهم والسلع، كما أدت أيضاً إلى تقويض ثقة المستثمرين الأجانب في الهند والتي شهدت خلال الثلاثة أعوام المنصرمة نمواً اقتصادياً جاوز 9%، وقد أصدر الاتحاد الهندي الفيدرالي لغرف التجارة والصناعة بياناً أكد فيه أن الهجوم استهدف عصب مراكز الاقتصاد والمال والسياحة والقدرات الاقتصادية الهندية.

2 ـ أثرت العملية بشكل كبير في العلاقات الهندية ـ الباكستانية في وقت بدأت فيه إدارة الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما في التحرك نحو تطوير علاقات الدولتين وهو ما سيؤدي بطبيعة الحال إلى تغذية عدم الثقة وعرقلة الطموحات الأميركية في المقاربة بين الهند وباكستان.

وفي الوقت الذي بدأت فيه الولايات المتحدة تشجيع باكستان على التركيز على نشاط القاعدة في منطقة القبائل بدلاً من الهند فإن مثل هذا الهجوم سيجعل تركيز باكستان منصباً على الحدود الهندية ولاسيما بعد تصريحات رئيس الوزراء الهندي (مانوهان سينغ) والتي قال فيها بعد هجوم مومباي إن جيرانهم ـ ويقصد باكستان ـ سيدفعون ثمن هذا الهجوم إذا تبين أن بلادهم استخدمت منطلقاً لهذه الهجمات، لذا فإن بعض الأهداف داخل باكستان وخاصة مقر «جماعة الدعوة» ربما تكون هدفاً محتملاً لسلاح الجو الهندي إذ تتهم الهند هذه الجماعة بإيواء ودعم عناصر عسكر طيبة».

3 ـ تنظيم القاعدة هو المستفيد الوحيدة من هذه العملية، ولاسيما بعد أن فقد خلال العشرة أشهر الماضية قيادات مهمة في الصف الثاني والرابع، لذا فإن تركيز باكستان على الحدود الهندية سيعطي للتنظيم هامشاً للحركة والتقاط الأنفاس وبناء الخطوط.

باحث إماراتي