أيهما الصادق.. وأيهما الكاذب أمام الشعب الأميركي.. بوش أم مدير الاستخبارات جورج تينيت؟
يتجدد السؤال بمناسبة ما ورد على لسان الرئيس الأميركي في سياق مقابلة تلفزيونية خلال الأسبوع الجاري. ففي تبريره لقراره الخطير بشنّ الحرب على العراق، قال هو إنه تلقى معلومات «خاطئة» من وكالة الاستخبارات المركزية بأن عراق صدام يمتلك أسلحة دمار شامل.
قول الرئيس هذا يأتي مناقضاً تماماً لقول مدير استخباراته السابق جورج تينيت. قال تينيت من خلال كتاب من تأليفه إنه واثق من أنه قدّم إلى الرئيس معلومات صحيحة..
هذا التناقض يطرح السؤال الطبيعي: أين الحقيقة؟ وهو سؤال لا يفرز إلاّ تساؤلاً آخر: لماذا لم يأمر الرئيس بإحالة مدير الاستخبارات إلى لجنة تحقيق، إذا افترضنا أن بوش صادق في ادعائه بأنه تلقى معلومات خاطئة؟!
وسواء كانت الكذبة من صنع وكالة الاستخبارات أم البيت الأبيض، فإن التاريخ المعاصر للإدارات الأميركية المتعاقبة يفيد بأن التلفيق المعلوماتي نهج ثابت لدى مؤسسة السلطة الأميركية، خاصة فيما يتعلق بالقرارات الرئاسية بشنّ عمل حربي خارجي ليس له مبرر مشروع.
فتختلق قصة كاذبة لإقناع الشعب الأميركي بمشروعية الحرب. ولنرجع إلى الماضي القريب.. في منتصف ستينات القرن المنصرم كذب الرئيس ليندون جونسون على الكونغرس لاستصدار قرار منه بشن الحرب على فيتنام الشمالية.
وفي منتصف الثمانينات أعلن الرئيس رونالد ريغان كذبة كبرى لتبرير قراره بدخول الولايات المتحدة في حرب ضد النظام اليساري الحاكم في نيكاراغوا. وكان فحوى الرواية التي سردها جونسون على الكونغرس هو أن زوارق حربية فيتنامية أطلقت نيراناً على سفينة حربية أميركية في المياه الدولية، وبالتالي فإن هذا الفعل يعتبر إعلان حرب على أميركا، ما يتطلب أن ترد أميركا بحرب مضادة. كانت تلك انطلاقة التورط الأميركي في الحرب الفيتنامية التي امتدت لعشر سنوات.
ريغان خاطب الشعب الأميركي مباشرة من مكتبه في البيت الأبيض من خلال بث تلفزيوني حي، واتهم في خطابه قادة السلطة العليا في نيكاراغوا بالتورط في أنشطة سرية منظمة لتصدير المخدرات إلى السوق الأميركية، ما يبرر شن حرب للإطاحة بالنظام النيكاراغوي.
وكما حدث بشأن إعلان الحرب الأميركية على العراق، فُضحت الكذبتان لاحقاً، ومن ثم تبودلت الاتهامات بين البيت الأبيض والاستخبارات. ومثل جورج بوش، لم يُقدَّم جونسون أو ريغان أو قادة الاستخبارات إلى أي نوع من المحاسبة أو المساءلة.
مضمون هذا المنهج المتجدد واضح: يتخذ الرئيس قرار شن الحرب أولاً، ثم بعد ذلك يأتي دور البيت الأبيض والاستخبارات لابتكار رواية ملفقة لتبرير القرار.