ليس من المبالغة في شيء القول بأنه في ظل الأوضاع العربية الراهنة، والخلافات العديدة المعلنة وغير المعلنة بين الأشقاء، فإن انظار الكثيرين من أبناء المنطقة تميل الى الاتجاه نحو القضايا غير السياسية لعل حظها يكون أفضل، وعلى نحو قد تعطيها الدول العربية اهتماما أكبر للنهوض بها والسير بها خطوات لصالح الدول العربية وشعوبها.
وفي هذا الإطار فإن اجتماعات المجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي التابع لجامعة الدول العربية، التي تعقد اليوم في القاهرة، تكتسب في الواقع أهمية كبيرة ليس فقط بسبب القضايا والموضوعات التي ستتم مناقشتها، ولكن ايضا بسبب الحاجة الضرورية والملحة، سياسيا واقتصاديا، والتي تجعل العرب في حاجة أكبر من أي وقت مضى لتفعيل التعاون والعمل العربي المشترك خاصة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية وكل المجالات المفيدة للشعوب العربية الآن وفي المستقبل.
وإذا كانت الأزمة المالية العالمية قد أوضحت الى حد بعيد حاجة الدول العربية الى العمل لتوظيف اكبر قدر ممكن من استثماراتها في داخل أوطانها، او في داخل المنطقة العربية، فإن الفترة الماضية كشفت ايضا مدى الحاجة العربية الى تحقيق الأمن الغذائي العربي وتأمين احتياجات الشعوب العربية من الغذاء والمياه النقية ومن الخدمات الضرورية الاخرى التي لا تستقيم الحياة بدونها في القرن الحادي والعشرين.
وفي هذا الإطار فإنه مع الوضع في الاعتبار ان الدول العربية سارت بعض الخطوات على طريق انشاء منطقة التجارة الحرة العربية، الا انه من المهم والضروري بالنسبة لها السير بخطى حثيثة نحو إنشاء الاتحاد الجمركي العربي والسوق العربية المشتركة والعمل بشكل جاد من اجل تسهيل انتقال الاستثمارات والقوى العاملة بين الدول العربية لتحقيق اكبر قدر ممكن من التكامل بين الأشقاء ولصالح كل الدول والشعوب العربية كذلك اليوم وغدا.
وإذا كان المجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي سيقوم اليوم باعداد مشروعات القرارات التي سيتم عرضها على القمة العربية الاقتصادية التي ستعقد في الكويت في شهر يناير المقبل، وهي قمة تعلق عليها الشعوب العربية آمالا كثيرة في العمل من اجل التجاوب مع طموحاتها في تفعيل التعاون العربي، فإنه ينبغي الاشارة الى ان من اهم وابرز مشروعات تلك القرارات، البرنامج الطارئ للامن الغذائي العربي، وسبل رفع وزيادة كفاءة استغلال الاراضي الزراعية العربية وتوفير مزيد من مصادر المياه والاستثمار فيها، بالإضافة الى مشروع الربط الكهربائي بين الدول العربية، والربط البري بواسطة شبكة من السكك الحديدية، والبرنامج المتكامل لدعم وتشغيل الشباب العربي والبرنامج العربي للحد من الفقر في الدول العربية وسبل تحقيق الاهداف التنموية للألفية في الدول العربية الأقل نموا، وغير ذلك من مشروعات القرارات التي تثير في الواقع الكثير من الآمال لدى مختلف الشعوب العربية.
ومع التأكيد على أهمية وضرورة تعميق وتوسيع سبل التعاون العربي في المجالات غير السياسية، اي في المجالات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والتقنية وغيرها من المجالات التي تعود بالفائدة الملموسة على مختلف الدول والشعوب العربية، فإن هناك حاجة ماسة الى تحويل القرارات العربية الى خطوات وبرامج عمل حقيقية وعلى ارض الواقع من اجل ان يشعر بها المواطن العربي. اما اذا بقيت، كما حدث في معظم الاحيان على امتداد السنوات الماضية، قرارات نظرية غير قابلة للتنفيذ، فإن المواطن العربي لن يتمكن من استعادة الثقة في هيئات ومنظمات العمل العربي المشترك التي تظل قراراتها مجرد اعلانات نوايا لا تجد طريقها الى التنفيذ. فهل ينجح العرب هذه المرة؟ نتمنى ذلك قبل فوات الأوان.
