أن تكشف وزارة الداخلية عن تورط عدد من أفرادها في استغلال وظيفتهم ،وتعلن عن ذلك فتلك البداية الصحيحة في طريق القضاء، بل مكافحة الفساد قبل أن يستفحل، وأن تؤكد على الجزاء العادل الذي ينتظر هؤلاء الفاسدين أمام القضاء، بل ومساءلتهم قانونيا وإداريا وفق النظام الداخلي لمنتسبي الوزارة ليكونوا عبرة لغيرهم من ضعاف النفوس، إنها خطوة متقدمة في الردع ومحاسبة من تسول له نفسه باستغلال وظيفته والإساءة إلى مهنة تعد من أشرف المهن التي لا تقبل أي نوع من هذه التصرفات، فخطأ رجل الأمن ليس كغيره من الأخطاء.

وبالتالي فإن إعلان «الداخلية» عن تورط عدد من العاملين فيها وإعلام المجتمع بما بدر منهم، إنما هو دلالة على سلامة الأمن في بلادنا وأمان مؤسساتنا الأمنية، ووجود عدد من الأعضاء الفاسدين لا يضر أبدا بسلامة البدن، طالما كشف عن العضو الفاسد وتم بتره.

نعم نتفق مع رأي المسؤول أن ما قام به المتهمون يمثل خزيا وعارا عليهم وحدهم، ولا يمس بأي حال جموع المنتسبين لوزارة الداخلية من العاملين المشهود لهم بالأمانة والنزاهة والولاء للمؤسسة الأمنية ورسالتها التي تهدف إلى تحقيق العدالة والأمن والسلامة لكل أفراد المجتمع، ولا أدنى شك يساورنا إزاء ذلك.

وما حدث أيضا هو أمر يقع في مؤسسات شرطية وأمنية كثيرة في دول كثيرة وعلى أرفع وأعلى المستويات، لكن مبعث الاستنكار هو أن حال رجال الشرطة ماديا في بلادنا ليس كغيره في تلك البلدان التي يضطرون فيها للجوء إلى الفساد واستغلال الوظيفة كي يعيش، مع اليقين أن ذلك ليس مقروناً بقلة الدخل بل هو بما نشأ وتربى عليه الفرد من قيم وأخلاق، وما قنع به من مثل يلتزم بها.

إن حرص الحكومة على تأمين العيش الكريم للمواطنين وزيادة مواردهم المالية، خاصة من المنتسبين للسلك العسكري الذين فاقت زيادة رواتبهم غيرهم من المدنيين،من المفترض أن يقابله حرص أكبر ليس فقط في العمل والإخلاص والتفاني بما أوكل إليهم من مهام فحسب،بل الإحساس بشرف الانتماء والولاء للمؤسسة التي يعمل بها، وأن يكون على قدر مسؤولية حمل شارة الوطن.

لدينا نماذج كثيرة مشرفة تقدر بالآلاف من الشباب من العاملين في الداخلية يتفانون في خدمة الوطن، ويبذلون في سبيله كل غال ونفيس، بل ويضحون بأرواحهم من أجل إيمانهم بالرسالة الأمنية التي يؤدونها خدمة لمجتمعهم وأهلهم. ومن ثم فلا يضير الأمن وجود بعض المنحرفين القلائل.

النماذج المشرفة تؤكد ثقتنا برجال الأمن وبأدائهم وستبقى الصورة ناصعة البياض كما هي في أذهاننا ولن تعيب اللوحة الجميلة تلك البقعة السوداء، التي لا شك لدينا أنها ستزال سريعا دون أن تتمكن من أن تنال من جمالها.

وستبقى وزارة الداخلية بما يبذل وزيرها من جهود في سبيل الارتقاء بها والمنتسبين إليها على مستوى الدولة، تلك القاعة الجميلة المليئة بكل ما هو رائع وأخاذ، ولن ننظر بالطبع إلى سلة المهملات الصغيرة التي تقبع في زاوية منها.

fadheela@albayan.ae