شهران ونيف يفصلان عن الانتخابات التشريعية الإسرائيلية، انتخابات الكنيست السابعة عشرة. تأتي هذه الانتخابات في ظل مستجدات ثلاثة أولها تفاقم الوضع على الأرض في فلسطين المحتلة الذي هو نتاج سياسة استيطانية ناشطة تحظى بتوافق إسرائيلي واسع وتجعل مع مرور كل يوم احتمال إقامة الدولة الفلسطينية القابلة للحياة أمرا شبه مستحيل مما يشجع على المضي في سياسة الهروب إلى الأمام في إسرائيل.
ثانيا، وصول إدارة أميركية جديدة تود الانخراط في عملية السلام أو إنزالها عن الرف الذي وضعتها عليه إدارة بوش طيلة ثماني سنوات وتدرك أن عليها القيام بتحرك فعلي في السنة الأولى، لكن المسافة الزمنية القصيرة جدا، أسابيع ثلاثة بين توليها الحكم و الانتخابات الإسرائيلية، لا تسمح لها ببلورة خطوط عامة لتصورها للسلام يمكن أن تؤثر في الناخب الإسرائيلي قبل الإدلاء بصوته.
ثالثا، وضع فلسطيني يتجه نحو الانهيار الكلي في ظل التصعيد الحاصل بين فتح وحماس وحامل لسيناريوهات مختلفة كلها خطيرة ويوفر لمن لا يريد السلام حججا قوية ويسمح بالاستمرار في سياسة الهروب إلى الأمام.
في ظل هذه المستجدات أو التطورات الثلاثة كيف يبدو المشهد الانتخابي الإسرائيلي: حزب العمل الذي ارتبط اسمه بالسلطة منذ قيام دولة إسرائيل يشهد حالة من الانهيار والسقوط والتهميش نتيجة تراكم الصراعات السياسية ضمنه وغياب القيادات القوية وحالة الارتباك الأيديولوجي الذي أصابه وعدم قدرته على بلورة برنامج سياسي واضح سواء فيما يتعلق بالأجندة الداخلية أو الأجندة الخارجية أو ما يتعلق بالقضية الفلسطينية بشكل خاص.
لا أدل من هذا التراجع سواء الانسحابات التي حصلت أخيرا من الحزب باتجاه تشكيل تحالف يساري جديد حول حزب ميرتس بحيث تدل كافة الاستطلاعات أن حزب العمل الذي حكم إسرائيل لأطول فترة يحتل حاليا المركز السادس بعد الليكود وكاديما وشاس وإسرائيل بيتنا والتحالف اليساري حول ميرتس.
على صعيد حزب كاديما التي ورثته أخيرا تسيبي ليفني كما كانت دائما إرادة ارييل شارون يعاني من تضعضع وتراجع ناتج عن فترة حكمه وعن الفضائح التي ارتبطت بزعيمه السابق ايهود اولمرت.
تحاول ليفني في «استراتيجية الانتخابات» تركيز هجومها على الخطر الأكبر الذي يهدد حزبها وهو تكتل الليكود متهمة بنيامين نتانياهو بأنه هو المسؤول الأول عن ضرب الدور التدخلي للدولة في الاقتصاد وعن اللبرلة الاقتصادية أو الريغانية الاقتصادية واقتصاد السوق الذي أقامه في حكمه السابق في إسرائيل وان ذلك وضع ويضع إسرائيل في مهب الريح في ظل الأزمة الاقتصادية الدولية الخانقة.
وتلجأ ليفني إلى «ورقة ثانية» في الهجوم على تكتل الليكود وهي بهذه الورقة تخاطب يسار الوسط معتبرة أن وصول نتانياهو إلى الحكم سيعني سنوات أخرى دون التوصل إلى السلام وهي تعتبر أن كاديما ملتزم بالمفاوضات ولو «بالسرعة» الإسرائيلية وبالأهداف المعروفة.
وبالتالي حسب ليفني، فان الليكود سيضع إسرائيل في حالة صدام مع الولايات المتحدة ومع العالم وستؤدي سياساته إلى مزيد من التوتر وانعدام الأمن في إطار الصراع العربي الإسرائيلي.
الورقة الثالثة في هجوم كاديما على الليكود تندرج في هجوم غير مباشر قوامه استثارة مخاوف العلمانيين ضد حركة شاس التي تطالب بوزارة التعليم في الحكومة الجديدة وبزيادة مخصصات الهيئات الدينية. وتعتبر أن الليكود وعد شاس بمنحه حقيبة التعليم في حين أنها رفضت هي ذلك.
في إطار هذا الصراع الديني العلماني تتطلع ليفني إلى تدعيم ركائز حزبها الذي يمثل الطبقة المتوسطة وكذلك الطبقات العليا العلمانية من اليهود الغربيين وهي تخاطب القاعدة المشتركة بين حزبها وحزب الليكود في هذا الخصوص.
وعلى صعيد آخر يلعب حزب شاس ورقة الفقراء والمهمشين والورقة الاثنية باعتبار انه يمثل قاعدة عريضة من اليهود الشرقيين الذين يعانون من كافة أنواع التمييز ضدهم. ويلعب ورقة اليمين الديني الصاعد ضد الأحزاب العلمانية. في السياق ذاته تم توحيد أربعة أحزاب تنتمي إلى اليمين الديني من اجل تعزيز موقعها الانتخابي وتقوية «ورقتها» لاحقا في مفاوضات الدخول إلى حكومة ائتلافية أو حكومة يهيمن عليها الليكود .
في ظل هذا المشهد من انهيار لحزب العمل وتراجع لحزب كاديما وصعود قوي في ظل المناخ اليميني المتشدد والمتزايد في إسرائيل لحزب الليكود يبدو من استطلاعات الرأي أن الليكود سينتصر في الانتخابات القادمة وأن نتانياهو الذي يريد إبعاد كاديما قدر الإمكان عن موقع المنافس الأول لحزبه يراهن على جذب عدد من رموز كاديما للعودة إلى الليكود من جديد، ولنتذكر أن كاديما هو حزب الغاضبين وأصحاب الآمال الخائبة من أحزابهم السابقة وخاصة من الليكود والعمل.
مقابل إضعاف وتفكيك كاديما يخشى نتانياهو انهيار كلي لحزب العمل لأن من مصلحته أن يبقى هذا الحزب متماسكا ولكن ضعيفا في الخريطة السياسية الإسرائيلية وبالتالي جاهزا متى اقتضت الحاجة عند الليكود، للدخول في ائتلاف وطني مع الأخير «يغطي» الليكود عند الحاجة لاتخاذ قرارات إستراتيجية على الصعيد الوطني.
وبقدر ما ان نتانياهو يريد إبعاد ليفني لاحقا عن وزارة الخارجية فيما لو اضطر للائتلاف مع كاديما، بقدر ما هو يرغب في وجود ايهود باراك زعيم العمل معه في الحكومة كوزير للدفاع بسبب صقورية الأخير ولكونه كما يقول أكثر من معلق إسرائيلي ينتمي في سلوكه وتشدده إلى الليكود أكثر مما ينتمي إلى العمل.
خلاصة الأمر أن اليسار ضعيف ومهمش والأحزاب الدينية وخاصة شاس تبقى قادرة على المساومة للدخول في حكومة ائتلافية وتوفير الأغلبية للحزب الفائز من خلال الحصول على مخصصات مالية ووزارة التعليم بشكل خاص، وان هناك احتمالين كنتيجة لهذه الانتخابات: أولهما فوز كاسح لليكود يسمح له باستبعاد كاديما وبأن يكون هو الثقل الأساسي في الحكومة مع إدخال أحزاب صغيرة يفرض شروطه عليها وهو ما يعني عمليا على الصعيد العربي الإسرائيلي أن لا مفاوضات سلام بالمطلق باعتبار أن شروط نتانياهو لا تسمح بإيجاد الإخراج الدبلوماسي الممكن للتحدث عن المفاوضات وان تركيزه على المسار السوري الإسرائيلي سيكون بعنوان الجولان مقابل إيران وهو ما يضع عقبات قوية إمام مفاوضات سورية إسرائيلية جادة.
وثانيهما ان فوزا غير مكتمل لليكود يفرض عليه كاحتمال آخر الدخول في ائتلاف مع حزبي و كاديما والعمل بشكل خاص تحت عنوان قيام «حكومة ائتلافية وطنية» تدخل في عملية السلام ولكن دون أن يكون عندها مشروع سلام متفق عليه بين أطرافها الرئيسية. فالخيار يبقى في الحالتين بين مفاوضات دون أي أفق جدي للسلام وبين عنوان هو «سلام على المفاوضات».
كاتب لبناني