مع التصميم في الهند على توجيه أصابع الاتهام حول أحداث مومباي إلى باكستان الدولة وليس إلى الجماعات الإرهابية هناك يطفو على السطح سؤال مهم هو: ماذا تريد الهند من باكستان؟ هل تريد الهند أن تطبق السيناريو الأميركي في التعامل مع الإرهاب باتهام الدول وترك الإرهابيين أنفسهم؟
الجماعات والتنظيمات الإرهابية هي التي تنفذ العمليات الهجومية وليس الدول، لا أفغانستان ولا العراق ولا أي دولة إسلامية أو عربية لها أي ذنب في هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، ولا علاقة لدولة باكستان بهجمات مومباي، ولكن الولايات المتحدة تركت العصابات الإرهابية وهاجمت الدول، فهل ستفعل الهند مثلها؟
يبدو جليا مخطط ما يحدث في مومباي إحدى المدن الهندية الكبرى. وهو عمل إرهابي واسع، نفذته مجموعة كبيرة من الإرهابيين الانتحاريين، ومدربة أحسن تدريب. وتتمثل أهدافه المباشرة ومغزاه في عرض القوة والتخويف والحط من معنويات السلطة والمجتمع الهندي.
وجرى تدبير العمل الإرهابي بمخطط حرب أنصار في الشوارع، مع مهاجمة عدة أهداف في وقت واحد. لذلك كان من الواضح أن النجاح سيكتب له في مرحلة تنفيذه الأولية قبل أن يتم قتل معظم المهاجمين في غضون يوم أو يومين، حتما. وكان مدبرو العمل يدركون أن منظمة «مجاهدو ديكان» (مجاهدو الجنوب) غير المعروفة خارج الهند، ستصبح في القريب مشهورة، وسيشتهر في العالم أسم «بن لادن جديد».
إن اختيار الأهداف، أشهر الأماكن في المدينة الشهيرة عالميا، مفهوم: فندق «تاج محل» ـ الأفضل بين أحسن الفنادق، وأحد فنادق العالم التي تحظى بالتقدير جدا.
وعلى العموم فإن المدينة التي يبلغ عدد سكانها 15 مليونا من كافة الأعراق والديانات، هي أهم مركز مالي في الهند، وأهم بالنسبة للبلد، لدرجة ما، من العاصمة دلهي. ولذا فإن اختيار المدينة مفهوم. وهنا يجب القول إن العمل الإرهابي الحالي بالكم الكبير من الضحايا من القتلى والجرحى ليس الأكبر في تاريخ الهند. ففي مارس عام 1993 أودى 13 انفجارا في مومباي نفسها بحياة 257 شخصا، وتمخضت عن إصابة 1100 شخص بجراح.
وجرى في يوليو عام 2006 تنفيذ عدة تفجيرات في القطارات وفي محطات السكك الحديدية في المدينة تمخضت عن 200 قتيل. واكتشفت الشرطة المذنبين، وكانوا عصابات وجماعات وليس دولا، ونلاحظ أن الإرهابيين يطالبون في هجمات مومباي بإطلاق سراح كل المجاهدين الذين اعتقلوا إبان الأعمال الإرهابية السابقة، ويرزحون في سجون الهند، وهذا يعني أنهم هم أنفسهم السابقين، فلماذا إذن اتهام باكستان الدولة؟
الوحدات الأمنية الهندية تعمل بدرجة عالية من التأهيل وقد أثبتت كفاءتها وخبرتها العالية في التعامل مع الإرهابيين، ولدى سلطات التحقيق الهندية المقدرة على معرفة كل ما يتعلق بالمهاجمين ومن يقف وراءهم ويدعمهم، ولا داعي للإسراع بتوجيه الاتهامات لباكستان أو غيرها، حتى لو ثبت بأن الجماعات التي نفذت الهجمات قد أتت من باكستان، فهذا لا يعني ولا يبرر اتهام باكستان، وحتى لو اعترف أحد الإرهابيين بأن جهات رسمية باكستانية تدعمه هو وزملاءه، فقد يكون اعترافه هذا وسيلة للإيقاع بين البلدين وإشعال الصراعات بينهم لصالح جهات أخرى مستفيدة من وراء ذلك .
لقد أنفقت الولايات المتحدة مئات المليارات على حروبها ضد الإرهاب، وذهبت المليارات وبقي الإرهاب، والهند دولة نامية تسعى لأن تصبح قوة اقتصادية وسياسية عالمية، و دخولها في أية حروب الآن من الممكن أن يوقف عجلة التنمية فيها، وربما يكون هذا هو المقصود من إشعال الخلافات بينها وبين جارتها باكستان .
ومن المفهوم أنه لا يوجد من يود تكرار أخطاء الولايات المتحدة، وهل يمكن على سبيل المثال، أن تخطط الهند للاستيلاء على باكستان مع سلاحها النووي؟ واحتلال هذا البلد وأفغانستان والصومال؟
لا يجوز نسيان أن الهند بلد إسلامي جزئيا وفيه مسلمون أكثر مما في باكستان. ولذا يتعين عليها رسم استراتيجية لمكافحة الإرهاب، وأن يتفادى أخطاء الولايات المتحدة .
كاتب ومحلل سياسي أوكراني