الحادي والعشرون من (مارس) من كل عام ميلادي هو يوم الأم، وبهذا التكييف المعاصر لمنزلة الأم ومكانتها فإن احتفاء الأبناء بأمهم بقياس الزمن لا يستغرق سوى ما يقارب ستين يوما من حياتهم، بافتراض بقاء الأم وأبنائها على قيد الحياة ستين سنة، أي ما يعادل ربع بالمائة من عمر كل واحد منهم؛ وبذلك تكون مكافأتهم في غاية الرداءة، وبنوّتهم في منتهى العقوق.
قفزت هذه الخاطرة إلى نفسي وأنا أفر من عالمي المضطرب لألوذ إلى جبين أمي الوادع، فلطالما كنت أجمع قواقع طفولتي من على هذا الشاطئ الملائكي، وهنا كانت ترسو قوارب صباي ونزقي، وهنا كنت ألوّن صورة غدي، وهنا كانت تراتيل الموج تعلمني أن إنسانية الإنسان تكمن في إحساسه بقيمة الآخرين واحترامه لإنسانيتهم، وأن ذخيرة الإنسان من المعرفة والأخلاق هي رأسماله الوحيد الذي يستثمره في مشروع البقاء، وأن فهمه لمعنى المبادئ والقيم هو الذي يعلمه كيف يواجه تحديات الحياة بشرف الرجال وكبريائهم وتضحياتهم لا بخسّة المتثعلبين والمستقردين.
لقد كانت أمي تجد متسعا على برنامج أمومتها لتجعلني أستحم كل يوم في شعاع هذه الأقمار، ففي زمانها لم تكن هنالك وظائف تختطف الأمهات من مصانع الأجيال لتحرم أطفالهن أروع ساعات العمر، ولم تكن هنالك مراكز تسوق تجتذب النساء لتسرق من أيديهن عرق الرجال ورأسمال المجتمع، ولم تكن هنالك مقاهٍ يحرقن على مقاعدها حياءهن وأخلاقهن وأوقاتهن، ولم تكن هنالك صالونات تجميل يتعفّن فيها شبابهن وأذواقهن.
وبالأصح لم يكن في زمن أمي مجتمع فاقد للوعي يلقي بقيمه وتقاليده وذاكرته في أقرب قمامة من أجل أن يلغي بعضه بعضا بالمظاهر الكذّابة اللامعة كسراب الصحراء الذي يجذب انتباه مطارديه ثم يقتلهم تيها أو عطشا، وبينما كان مجتمعي يصنع من أطفاله رجالا مكتملي الرجولة، فإن مجتمع اليوم عاجز حتى عن أن يمنح أطفاله بعضا من طفولتهم.
كان وجه أمي سمائي، حيث كنت أرى صخب النهار المتوهج في تدبيرها بهمة وحب، وكنت أرى سكون الليل القمير في مناجاتها بإيمان وشوق، وكنت أرى في وجهها حكمة الخريف وصبر الشتاء وذكاء الربيع وكرم الصيف، ورغم كدر السنين لايزال ذلك الوجه طفولياً لولا غيمات الزمن التي ترصع وجنتيها الناجيتين من قذارة الأصباغ ومساحيق التجميل التي تحيل وجه أجمل امرأة من نساء اليوم إلى ذيل طاووس أو رأس ببغاء، ومع ذلك يبقى وجها معدنيا ليست فيه لمسة من تعابير العفة والبراءة والخجل والشرف والإباء.
لقد أوحى الغرور إلى أمهات اليوم بأن المؤهلات العلمية والمناصب والحضور الاجتماعي هو امتياز يعفيهن من مسؤولية الأمومة، وتناسين أن التفاضل بهذه الامتيازات هو حق للمجتمع وليس لأصحابها، وبهذا الانقلاب في القيم والمفاهيم تصرّفن كرجال، إلى المدى الذي بلغ إلغاء وظيفة الأم من مؤسسة الأسرة؛ ونتيجة لذلك لا يجد أطفال اليوم عند عودتهم إلى بيوتهم الصوت الذي يصحح مساراتهم ولا الرائحة التي تعيد لهم ذاكرتهم ولا الأشواق التي تفجر عواطفهم، لأن سحرها أهدرته أو أبطلته التزامات الوظيفة أو التزامات الصداقة المزورة أو التزامات المظاهر المزيفة، فيعود الأبناء لترتطم أبصارهم بصورة الخادمة المفلسة من ذرة واحدة من حنان الأم ومن حرصها ومن برنامجها التربوي، ثم تلتقمهم أسرّتهم بعدما يجرّدهم التلفاز أو الألعاب الإلكترونية مما تبقى من شحنة ذكائهم وهدأة نفوسهم.
أين هذه الأم الغثائية المتطفلة على جِنان الأمومة، من أمي التي كانت هي بيتنا قبل أن يُشيّد بيتنا من الجدران والسقوف، وكانت هي عالمنا قبل أن ندرك أن هناك عالما آخر، حتى إذا باغتتنا دوامة ذلك العالم وتباعدت المسافات بيننا وبين عشّنا الدافئ، ثم عدنا إليه في أي ساعة من نهار أو ليل، وجدنا قلبها الحنون بلسما لجراح قلوبنا النازفة، ووجدنا وجهها الوقور قنديلا يضيء بالفرح والأمان كل زاوية من زوايا البيت، ووجدنا الأمومة التي اشتعل الشوق إليها في جوانحنا حيث اعتدنا أن في صغرنا أن نجدها، لتحتضن كل مساحات مشاعرنا، وتلملم شظايا ذاكرتنا، ولتمسح عن أحداقنا نغص الحياة وعن أكتافنا غبار الدروب.
يد أمي التي رسم الزمن ذكرياته على عروقها وعلى أناملها، واحة لم تمنعها قسوة الصحراء من حولها من أن تكون معطاءة كينابيع الواحات، وأن تكون وارفة الحنان كظلال الواحات، ومنها تعلمت وهي تصنع لي كل صباح طعام إفطاري أن العمل قيمة، وأن الشعور بالمسؤولية واجب.
وأن إعداد الأجيال القادمة رسالة؛ كان بيتنا يتحول كل صباح إلى خلية من النشاط والدأب، حتى أن طقوس إفطارنا تجعل منه اجتماعا عائليا، أين منه طقوس إفطار بيوتات اليوم الجنائزية التي لا تعدو كونها إجراءات وظيفية يتقاضى الخدم مقابلها أجورهم، ولهذا فإن الفرق بين جيلي وجيل اليوم أننا كنا نحمل معنا إلى مقاعد الدراسة أمانة ووئاما مع المعرفة ورغبة للتحدي، أما أطفال اليوم فيحملون معهم السأم واللامبالاة وعدائية للمعرفة وللمؤسسة المدرسية بأسرها.
لقد تمكنت أمي من بناء مدينتها الفاضلة عندما نجحت في تربية حاشيتها بالممارسة بأن تبدأ من حدود الواجبات والالتزامات قبل أن تصل إلى حدود الحقوق والحريات؛ وبذلك تبدو المسافة اليوم بين أمي وبين مثيلاتها من ربات البيوت في عصر زترجيلس المرأة وستذكيرس أنوثتها سحيقة كالبعد بين أعلى قمة يبللها الندى وأخفض سبخة ينهشها الجدب؛ ها هي أسرة اليوم تسكن العراء بعدما تهاوت أسوارها التي نخرها الاستسلام للمظاهر والمشتهَيات.
وبعدما دُكّت خطوطها الدفاعية تحت هجمات الغزو الثقافي التغريبي، وبعدما باعت الحاشية وفاءها وحريتها واشترت بثمنه سفاهتها وعبوديتها لأماكن اللهو والترفيه، حتى إذا ما أنشبت القطيعة مخالبها في جسد الأسرة وتهتّك نسيجها، لم يبق مما يربط الجيل الجديد بجيله القديم إلا بنوة متجمدة كصقيع الشتاء، وأمومة فقدت بريقها بعدما أحالت الأم مسؤوليتها وعاطفتها للخادمات والسائقات وعاملات النظافة، وأحالتها من رسالة مقدسة إلى علاقة أسرية بحكم القانون.
أستطيع اليوم وقد عايشت النقيضين، أن أزعم بأنني عشت طفلا محظوظا لأسباب إضافية، فأنا لم تكن لي أم واحدة فقط، بل كان لي الكثير من الأمهات من أمثال أمي، وكل واحدة منهن لها بصمة في تكوين شخصيتي، فجدتي كانت أمي، وأكبر أخواتي كانت أمي، وخالاتي وعماتي كن أمهاتي، وزوجات أعمامي وأخوالي كن أمهاتي، وحتى جارات أمي كن أمهاتي، ولو خُيّرت اليوم بين أي واحدة منهن وبين ألف أم من أمهات اليوم ما قبلت بهن عوضا؛ هذا العدد من الأمهات كان يُشعرني أن بيتنا أكبر من حدود السور الذي يحيط به، كان كبيرا جدا بحجم حيّنا أو ربما بحجم بلادي.
كاتب إماراتي