لا يمر لقاء بين الإسلاميين والليبراليين على أي من القنوات الفضائية بسلام، غالبا ما ينتهي بقدر هائل من الشتائم والسباب والاتهامات المتبادلة فيما بينهما.
يبدأ الحوار هادئا، حيث يحاول كل من طرفيه أن يبدو هادئا أمام المشاهدين ومحاورا جيدا من أجل تفويت الفرصة على الطرف الآخر في استثارته أو جره لكلمات تفقده اتزانه ومكانته الاجتماعية. ويلاحظ في هذه النوعية من اللقاءات أن الجميع يعرف ما سوف يحدث سلفا، فالجمهور يتوقع ما يسمعه، والضيوف يعرفون ما سوف يقولون، والمحاور يعرف أيضا إلى أين سوف يقود الحوار أو المشادة.
ورغم أن الحوار عملية تتحدد بطبيعة القضايا ومجريات النقاش الدائر إلا أنه بين الإسلاميين والليبراليين يسير دائما نحو وجهته المتوقعة المتواترة الحدوث، بغض النظر عن نوعية القناة الفضائية، وعن أطراف الحوار، وعن نوعية القضايا التي تتم مناقشتها.
وبعبارة موجزة يبدو الحوار حوار طرشان، أقرب لتلك الحوارات الإسلامية المسيحية التي أصبحت موضة هذه الأيام. ويبقى السؤال الجدير بالتناول هنا: ما هي طبيعة أجواء الحوارات التي تتم بين كل من الإسلاميين والليبراليين؟ وما هي طبيعة القضايا التي يتم تناولها؟ وكيف ينتهي الحوار؟
غالبا ما يبدأ المحاور بإثارة سؤال جوهري حول الحريات والديمقراطية في العالم العربي. ويمثل هذا السؤال المدخل الجوهري لإثارة الحوار والبدء مباشرة بدرجة الغليان. الملاحظ أن الليبراليين يبدأون الحديث مباشرة بدفاعهم المستميت عن الحريات، إضافة إلى القبول بمبدأ التعددية السياسية وتداول السلطة، وأخيرا وليس آخرا حرية المرأة والأقليات.
في المقابل، أتقن الإسلاميون لعبة الإعلام، حيث ينبرون للتأكيد على كل ما قاله الليبراليون في الحوار؛ فهم مع التعددية السياسية ومبدأ الحريات، كما أنهم مع احترام حقوق المرأة والأقليات.
إلى هنا لا يشعر المرء بأي اختلاف بين طرفي الحوار. فكلاهما مدافع صلب لا يلين عن الحريات وحقوق الإنسان والمرأة والأقليات. ومن يشاهد دفاعهما المستميت عن الحرية والديمقراطية يعتقد أنهم ينتميان للتيار نفسه بدون أية اختلافات أيديولوجية أو انتماءات سياسية.
يبدأ الانكشاف والتعري لكلا الطرفين حينما يشير كل طرف لمرجعياته التي يستند إليها. فبمجرد أن ينطلق الليبراليون مشيرين إلى الليبرالية الغربية بوصفها الوحيدة الجديرة بالاحترام بالنظر لمسألة الحريات وتداول السلطة والتحقق الديمقراطي، وبمجرد أن يشير الإسلاميون إلى مرجعياتهم الإسلامية وضرورة مراعاة الشريعة الإسلامية بل والاتفاق معها، حتى تندلع حرارة الحوار ويتحول إلى فاصل من الردح والشتائم والسباب.
والغريب في الأمر أن تلك الإشارات إلى المرجعيات تقود إلى تشتت القضايا الأساسية وتدفع بالحوار لقضايا فرعية وشاذة في الوقت نفسه، يحاول كل من طرفي الحوار النيل من الآخر عبرها. دعونا نشير إلى مجموعة من فواصل الردح التي يكيلها كل طرف للآخر.
بالنسبة لليبراليين تتجه اتهاماتهم إلى عدم قبول الإسلاميين للحل الديمقراطي، وأنهم يتسترون وراء مزاعم الحريات وحقوق الإنسان من أجل الوصول إلى سدة الحكم. كما أنهم لا يؤمنون بحقوق المرأة وحقوق الأقليات، إضافة إلى عدائهم الشديد للفنون والموسيقى والسينما.
يصبح كل الإسلاميين إرهابيين، كما يصبحون مجرد متاجرين باسم الدين وقدسيته، كما يصبحون مجرد مستغلين لعقول البسطاء من الناس. بل يصبح الإسلام ذاته، لدى بعض ممن يمتلك الجرأة منهم، لا يمت بصلة للحريات ورعاية حقوق المرأة والأقليات.
مقابل ذلك يصبح الليبراليون في عرف الإسلاميين مجرد حفنة من الخونة يروجون للوجود الأميركي في المنطقة، كما يروجون للانحلال القيمي والأخلاقي عبر فضائياتهم التي يهيمنون عليها من المحيط إلى الخليج. فهم لا يهتمون بالفضيلة، كما أنهم يقبلون بالثقافة الغربية على علاتها بدون أي قدر من النقد أو التمحيص. إضافة إلى ذلك يصبح الليبراليون مسؤولين عن كل هزائم النظم العربية، منذ حرب فلسطين وحتى هزيمة الجيوش العربية في حرب الأيام الستة.
اللافت للنظر هنا أنه غالبا ما تثار مسائل على درجة كبيرة من التفاهة في حوار الطرفين؛ كأن يتساءل الليبراليون عن الموقف من قيادة المرأة للسيارة في بعض الدول العربية، وكأن يتساءل الإسلاميون عن موقف الليبراليين من الحريات المرتبطة بشواطئ العراة. وكأن كل القضايا العربية مثل الفقر والتخلف والهزيمة قد انتهت حتى نتفرغ لقيادة المرأة للسيارة، رغم أهمية ذلك، وحتى يصبح شغلنا الشاغل شواطئ العراة، رغم مفارقة ذلك للثقافة والبنيات الاجتماعية العربية.
لا ينتهي الحوار بين الإسلاميين والليبراليين عند هذا المستوى من إثارة المشكلات والاتهامات المختلفة والوقوف عند القضايا السخيفة، لكنه ينقلب فجأة بعد محاولات هائلة من كلا الطرفين للهدوء وضبط الأعصاب إلى فاصل من الردح والشتائم والسباب. في هذه اللحظة ينجح المحاور تماما في تحقيق الأهداف الحقيقية من برنامجه، كما يتحول المشاهدون من متابعة قضايا الحوار إلى الضحك والاستهزاء بكلا الطرفين.
كاتب مصري
