محاولة الرئيس بوش، في مقابلته التلفزيونية الوداعية، تبرئة ساحته، بخصوص حربه على العراق؛ لا تجد من يشتريها. حتى داخل أميركا.
ناهيك بمنطقتنا. صحيح أن كلمة «أسفي الأكبر»، التي نطق بها؛ غير مألوفة، في حديثه عن العراق. ما من مرة وردت على لسانه في هذا السياق، لا مباشرة ولا مداورة. ولهذا ربما تركت الانطباع وكأنها تعبير عن شيء من التراجع أو من التنازل، عن تشبثه المعروف؛ في هذا الخصوص. لكن في الواقع كانت لا تقل عن «عذر أقبح من ذنب».
أصرّ الرئيس بوش،عشية الإعداد لاجتياح العراق، على زعم امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل. تشبّث بهذه الذريعة مع صقور إدارته، وعلى رأسهم نائبه تشيني ووزير دفاعه رامسفلد. كل التقارير والكشوفات، الدولية، النافية لذلك الزعم؛ ما كانت كافية في نظر الإدارة. وقع الغزو وجرى التفتيش عن هذه الأسلحة، هذه المرة على يد مفتشين وخبراء أميركيين. لم يعثر أحد على أثر. مع ذلك بقيت واشنطن بوش على عنادها. «عنزة ولو طارت».
استمرت في تسويغ وتبرير قرار الحرب، بزعم أنه كان له، في لحظته، ما يوجبه. خطاب تسمّرت عنده، طيلة السنوات الخمس الماضية. لم تتزحزح عنه قيد شعرة. علماً بأن تيار المعارضة للحرب كان يتزايد باستمرار، في الساحة الأميركية؛ كما في سائر أنحاء العالم. كلفتها، البشرية والمالية، باتت تتصاعد بصورة موجعة. وبرغم الضغوط تمسّكت الإدارة برفضها حتى لتحديد جدول زمني ولو تقريبي للانسحاب. فقط في «الاتفاقية الأمنية» الأخيرة، ارتضت تحديد موعد، لكن مفتوح بصورة مبطّنة، للانسحاب.
اليوم، قبل مغادرته للبيت الأبيض بأسابيع قليلة؛ وبعد كل الذي حصل من تمزيق ونزف ومآسي للعراق، فضلاً عن تداعياته الخطيرة في المنطقة، يأتي الرئيس بوش ليضع الملامة على «إخفاق الاستخبارات» الأميركية، في هذا الملف؛ وليعرب عن أسفه «الأكبر»، لهذا الإخفاق! بشطحة قلم، رمى المسؤولية عن كاهله. وضع الكرة بملعب السي ؟ أي ؟
ايه ، ومعلوماتها الخاطئة. وتعامل مع جهة المعلومات وكأنها هي، وليس هو، التي اتخذت قرار الحرب! وعندما سئل عما إذا كان اتخذ مثل هذا القرار، حتى لو كان على علم في حينه، بأن ليس في العراق أسلحة دمار؛ رفض التأكيد أو النفي. فبذلك كشف، من غير أن يريد، عن هشاشة تحميله المسؤولية لغيره.
الإخفاق، بل الخطيئة، في الحرب على العراق، كان في القرار؛ وليس في المعلومات. هذه الأخيرة جرى تفصيلها على قياسات ذلك القرار الجاهز. الوزير كولن باول، يعرف ذلك؛ وكاد يقوله بصراحة. وكان أجدى للرئيس بالتالي،عشية مغادرته، الاعتراف بالخطأ الكبير وإعلان تحمل مسؤوليته.
