بالأمس رفعت إسرائيل حالة الطوارئ في تل أبيب وزادت من حالة الاستعداد في مدن أخرى تحسبا لهجمات أو أعمال فلسطينية انتقامية للرد على عملية اجبار السفينة الليبية التي حاولت دخول غزة أمس الأول على التراجع إلى ميناء العريش المصري، وكذلك على الممارسات الإسرائيلية الإجرامية في الأراضي المحتلة.

ومع الوضع في الاعتبار أن الخبرة الإسرائيلية على مدى الستين عاما الماضية قد أكدت عشرات المرات أن الإجراءات الاحترازية وعمليات إغلاق الأراضي الفلسطينية، ونشر أعداد اكبر من قوات الشرطة لا تحول دون حدوث عمليات فلسطينية في هذه المدينة الإسرائيلية أو تلك،أو القيام بأي أعمال عنف ضد إسرائيليين يرى فيها الفلسطينيون نوعا من التنفيس أو الرد، ولو بشكل محدود، على الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، فإنه من المؤكد أن الأساليب التي تتبعها إسرائيل، مهما بلغت قوتها، لن تتمكن في النهاية من تحقيق الأمن لإسرائيل أو جعل الشعب الإسرائيلي يعيش آمنا ومطمئنا.

وذلك لسبب بسيط هو التداخل والارتباط القوي بين الأمن الإسرائيلي والأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خاصة في ظل التداخل بدرجات غير قليلة بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني وانتقال الأيدي العاملة الفلسطينية إلى داخل اسرائيل وانتشار المستوطنات الإسرائيلية في إجزاء واسعة من الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين.

وإذا كان الانقسام الشديد بين حركتي فتح وحماس الفلسطينيتين أتاح ولا يزال يتيح لإسرائيل ارتكاب مزيد من الجرائم في حق الشعب الفلسطيني، استغلالا لهذا الانقسام وتعميقا له كذلك، فإنه من المؤكد أن الجريمة النكراء التي ارتكبتها إسرائيل بمنع وصول سفينة المساعدات الليبية إلى شواطئ غزة وافراغ حمولتها للفلسطينيين المحاصرين، هذه الجريمة لا تتعارض فقط مع كل المواثيق والأعراف الدولية، ولكنها تعد أيضا ضمن الجرائم ضد الإنسانية، لان العقاب الجماعي والتجويع المتعمد للفلسطينيين وتخريب حياتهم الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن إلا ان يكون نوعا من أنواع الابادة المتعمدة لمليون ونصف المليون فلسطيني في قطاع غزة المنكوب.

وفي ظل الأوضاع المأساوية المتفاقمة للفلسطينيين في قطاع غزة، وحتى في الضفة الغربية المحتلة، وعدم وجود ما يخسره الفلسطينيون في وضعهم الحالي، فإنه من غير المستبعد ان تتعثر الهدنة بين حماس وإسرائيل أو ان تعمد بعض الجماعات أو الفصائل الفلسطينية إلى معاودة اطلاق الصواريخ في اتجاه الأراضي والمستوطنات الإسرائيلية، أو ان تقوم بعض العناصر الفلسطينية بعمليات تفجير داخل إسرائيل.

نعم إسرائيل مسؤولة في المقام الاول عن تدهور الاوضاع في غزة والضفة الغربية، وهي بنفس القدر مسؤولة ايضا عن اهتزاز امنها وما قد تتعرض له من اعمال، هي في النهاية تذكير بأن الشعب الفلسطيني لن يستسلم للأعمال الإسرائيلية الاجرامية مهما تمادت، لأنها - أي تلك الأعمال خاصة في الظروف الراهنة - لن تحرر أرضا ولن تجبر اسرائيل على إعادة كل الحقوق للفلسطينيين.

وإذا كانت كل الوسائل الوقائية الإسرائيلية، بما فيها الجدار العازل قد فشلت في تحقيق امن إسرائيل، فإن السبيل الحقيقي والفاعل لتحقيق ذلك هو في الواقع الانسحاب من الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 وإتاحة الفرصة لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، ومن ثم التوصل إلى سلام عادل ودائم يسمح لكل شعوب المنطقة بالعيش في أمن وسلام واطمئنان وعلى النحو الذي يراه محققا لمصالحه.

ولكن المشكلة أن إسرائيل لا تفهم ذلك ولا تريد ان تفهمه، اعتقادا منها أن الشعب الفلسطيني يمكن أن ينسى حقوقه أو يتخلى عنها وهو ما لم يحدث ولن يحدث حتى وأن طال ظلام الاحتلال.