لا يستطيع المتتبع للتجربة الديمقراطية في الكويت إلا القول بأنها قد استطاعت، كعملية سياسية، التطور بقدر مهم خلال العقود الأربعة ونيف الماضية. وهي في هذا قد استطاعت أن تتجاوز الكثير من الإشكالات والارتدادات التي طالما جيء بها كحل لمعضل تلكؤ الممارسة أو الخوف من الاختلال المحتمل أو الفعلي لتوازن القوة داخل المجلس.

وهي ارتدادات لا يمكن إيعازها كما يحلو للبعض لمؤسسة الحكم والدولة فحسب، أو لجهة أخطاء القوى السياسية والاجتماعية بألوانها المختلفة والداخلة في العمل السياسي العلني برغبة صادقة في تطوير التجربة والعمل من خلالها، بعيدا عن اعتبارها، أي العملية السياسية، وسيلة لأسلمة الدولة بالتقسيط أو لدرء مفسدة أكبر وأعظم بمفسدة أدنى كما يقولون، وهي كلها ذرائع لا تصب في مصلحة التجربة ذاتها بقدر ما هي تبرر توظيف العملية السياسية لأغراض في غير صالح تطوير التجربة وفي صالح هذه الجماعات.

فالأطراف في عمومها تتحمل قدراً من اللوم في تلك التجربة وفي المطبات العديدة التي جاءت عليها.. وهو مشكل لا يمكن أن يعزى للسنوات الثلاث أو الأربع الماضية، وإنما هو وليد المفهوم أو لربما الإطار الذي تحركت فيه التجربة في سنوات نشأتها الأولى ومداخل الحلول التي تبنتها التجربة لتجاوز معضل حجم القوة والنفوذ والتوازن السياسي في داخلها، وهو الأمر الذي أدخل التجربة في معضلتها الآنية.

فالخوف من أن تفقد مؤسسة الحكم أو النظام الأغلبية في صناعة قرار المجلس، والخوف من أن تميل القوة للقوى المعارضة من القوى القومية والتجار، قد دفع النظام نحو تبني مجموعة من الآليات الداخلة في صناعة المجلس، سواء أكان ذلك على صعيد العملية الانتخابية ذاتها أو على صعيد صناعة الأفراد والجماعات الداخلين في العمل النيابي.

وهي صناعة قد شكلت المجالس النيابية المختلفة وتوازنات القوى في داخله التي كانت على الدوام وبفعل ذلك في صالح الدولة ومؤسسة الحكم. إلا أن فقدان هذه الآليات لمفعولها، بل في أن تخرج بعضا من أثارها السلبية وغير المرئية في ذلك الحين، قد شكل الحالة في آنيتها.

و أعتقد أن إطلاق قوة القوى والتضامنيات التقليدية: المذهبية والقبلية قد ساعد دون شك في تحجيم وبالتالي إضعاف القوى والجماعات المدينية الحديثة: السياسية والاجتماعية، إلا أنه وبالمقابل قد جعل منها وبتنامي قوتها، وانفلاتها عن الضابط الرسمي، وتحديدا في السنوات التي تلت مرحلة التحرير وإعادة البناء، قوى وجماعات ليست فحسب منفلتة عن الضابط وموظفة من قبل البعض ضد البعض الآخر في الداخل والخارج، إنما قوى وجماعات منقضة على الدولة. بل جعل من الدولة بمؤسساتها ومدخلاتها المختلفة فريسة وغنيمة لها.

و يفسر هذا سيطرة وانقضاض القوى المذهبية والقبلية وقوى الإسلام السياسي على مؤسسات الدولة واستطاعتها ليس فقط اختراق المؤسسات المالية الرسمية والبنكية المختلفة الداعمة لنشاطها. بل امتد ذلك لتسيطر هذه القوى على أهم مؤسستين من مؤسسات التنشئة السياسية في البلاد وهما: الإعلام والتعليم أو أن تجعل من عملهما واقعا تحت مراقبتها ولربما نفوذها السياسي والديني..

وقد يكون من المفيد هنا الإشارة لبعض التقديرات التي تقول مثلا إن حركة الأخوان المسلمين في إحدى الدول الخليجية تمسك بحوالي 47 مركزا من مراكز صناعة القرار في إحدى جامعاتها الوطنية!!. بل في قدرتها على أن تحول بعضا من كلياتها وإداراتها الواقعة تحت سيطرتها ليس إلى لون أيديولوجي واحد فحسب وإنما إلى لون إثني واحد.

كما ويعكس الجدل ومن ثمة الصدام الذي دار في الكويت حول أولا شرعية الانتخابات الفرعية وثانيا عجز الدولة في فرض إداراتها بإبطال نتائج الانتخابات الفرعية، وبعد ذلك عنف هذه القوى في مواجهة الدولة، إحدى نتائج تقوية المؤسسات المذهبية والقبلية على حساب الدولة. وهي مسألة لا يمكن تجاوزها إلا عبر فرض الدولة لإرادتها ومنطقها، كدولة تعمل بعيدا عن تجاذبات وتناقض قوى المجتمع، لا أن تكون طرفا لاعبا ومغذيا لخلافاته.

وهي حالة وإن أكسبت البعض في الدولة أو خارجها قدرا مهما من القوة والنفوذ في مواجهة الآخر في الحالة الآنية، إلا أنها لن تساعد دون شك على تطور عمل الدولة بل لن تساعد في تأسيس وتشكيل الدولة الحديثة، وإنما ما نحن بصدده هو دولة تقوم على تناقضات المجتمع لا دولة تقوم على حل تناقضاته وبالتالي العمل على تأسيس جديد للعلاقة بين أطرافه المختلفة.

وقد يكون من المفيد الإشارة هنا إلى أن ترك هذه القوى لتعمل دون دليل وطني جامع قد قاد إلى تأسيس ثقافة سياسية لا تقوم فحسب على افتعال المعارك والحروب مع الآخر في داخل المجلس وخارجه وإنما في أن ترى العمل البرلماني محطة للكسب الشخصي والتنظيمي أكثر منه إطاراً لتطوير العمل الوطني. وفي هذا تعمل القوى القبلية والإسلاموية.

و مع ذلك تبقى التجربة الديمقراطية الكويتية رغم إخفاقاتها الوقتية إحدى التجارب الديمقراطية المضيئة في العالم العربي بل يبقى برلمانها رغم ما قد يسببه من «صداع» برلماني، معبراً عن حركية المجتمع الكويتي بقواه السياسية والاجتماعية المختلفة وهي قوى رغم ما يبدو عليه المشهد، مائلا لتضامنياته التقليدية، إلا أن تجاوز معضلاته سيكون قسراً عبر العمل المضني لبناء الدولة الحديثة وتطوير عمل قوى وتجمعات المجتمع الحداثية.

وهو تمني لا أعتقد صعب المنال إلا أنه يحتاج لعمل دؤوب وفسحة زمنية واسعة وصبر على منغصات التجربة وانفلات قوى ما قبل الحداثية، والذي قد يعبر انفلاتها هذا عن عجز في القدرات التكيفية مع السياقات السياسية والاقتصادية الجديدة، والتي تبدو في أنصع صورها في الحالة اليمنية من حيث اختراق القبيلة للدولة وفي الحالة الباكستانية من حيث اختراق القوى الإسلاموية للدولة أيضا.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com