تقول الباحثة السويسرية إيلما راكوزا، خلال مشاركتها في ملتقى الحوار العربي الألماني الذي رعته ونظمته مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم في دبي الأسبوع الماضي، إنها من الحالات النادرة أن تشارك في مؤتمر مهم، خارج جغرافية اللغة الألمانية، من دون الحاجة لتقديم مشاركتها باللغة الإنجليزية.

لقد تحدثت البرفسورة راكوزا ومعها فريق الوفد الألماني، باللغة الألمانية وتحدث المشاركون العرب لغتهم العربية. وبالترجمة الجيدة، استطاع الفريقان بحث قضايا ثقافية مهمة ومعقدة من دون حاجة للجوء إلى لغة ثالثة. وتلك تجربة مهمة أظنها جديرة بالتقدير والاهتمام. تقول البرفسورة إيلما راكوزا أنها تجيد 8 لغات مختلفة لكنها لم تجد يوما نفسها إلا في لغتها الأم، الألمانية.

وهكذا سعدت الباحثة القديرة أن تكون قادرة على المشاركة في فعالية مهمة بلغتها الأم، تماماً مثلما أبدع نخبة من صفوة المثقفين العرب في إثراء حوارات ومداخلات الملتقى العربي الألماني بلغتهم العربية.

أعترف أولاً أن شهادتي في منظمي الفعالية، وأولهم الزميل القدير ياسر حارب، مجروحة بحكم الزمالة والصداقة. لكنني أجزم، ومن دون تردد، أن ملتقى الحوار الثقافي العربي الألماني كان من أفضل الفعاليات التي شاركت فيها خلال السنوات القليلة الماضية وأكثرها فائدة وأدقها تنظيماً وتلك ـ في رأيي ـ مفخرة ليست فقط لدبي ولكن لنا مثقفين وشعراء وكتاباً في العالم العربي.

وأحد أسباب نجاح هذه الفعالية، إلى جانب التنظيم الدقيق، كان الاهتمام الواضح بالمحتوى والاختيار الدقيق للمشاركين من الجانبين العربي والألماني. ففي كل جلسة من جلسات الملتقى، كنت أتأمل بدهشة في أسماء المشاركين ـ من متحدثين أو مداخلين - وأهمس لبعض الزملاء حولي: فعلاً في هذا الملتقى نرى المثقف الصح في الفعالية الصح!

وفي جلسة «الاستشراق والاستغراب: التحولات والسجالات»، كنت أطالع أسماء المشاركين وأردد (بيني وبين نفسي): كيف اجتمع مطاع صفدي وأدونيس وفهمي جدعان وحسن حنفي مع أودو شتاينباخ وبيتر هاينه على منصة واحدة؟

وفي جلسة «دور المثقف في عالمنا اليوم»، يجتمع كل من سعيد حارب وفهمي هويدي ومحمد عابد الجابري معاً للبحث في أسئلة مهمة وعلى رأسها: «كم حربا كونية وإقليمية أخرى سيقطع العالم قبل أن يستعيد المثقف نفوذه وضرورته في عالم يسعى سادته الأقوياء إلى تدجين المثقف وتهميش الثقافة؟» في ذلك السؤال يكمن التحدي الكبير ليس أمام المثقف العربي فحسب .

ولكن أمام مثقفي العالم أجمع! وفي الكلمة الافتتاحية للملتقى، يتساءل الأديب الإماراتي محمد المر عن أسباب عودة «القراصنة» في زمن القطب الواحد وبعده بساعات يطلق أدونيس رؤية جديدة من خلال تأكيده أن المرء يستقي هويته من المستقبل وليس من الماضي.

وبعده بيوم يصرح محمد عابد الجابري أن المثقف العربي يعيش حالة حرب أهلية غير معلنة في الداخل ومع الآخر! ومثلما كانت عناوين الجلسات مختلفة وحيوية كانت الأسئلة والتعليقات بنفس الأهمية والحيوية. الجديد المهم في هذه الفعالية تحديداً كان شبه الإجماع بين المشتركين في هذا الملتقى على أن المشارك في هذا اللقاء لم يضيع وقته في حوارات عامة وكلام عائم بل كانت الحوارات مركزة ودقيقة وأجيد اختيار المشاركين في كل جلسة وبتنظيم لا يقل دقة وانضباطا عن أي فعالية دولية مهمة.

وهكذا يتميز شبابنا إن منحوا الثقة والفرصة لتحويل الأفكار الكبيرة إلى فعل وترجمة الأحلام البعيدة إلى واقع ولنا دائماً في دبي قدوة! لكنني أقترح على الزملاء الكرام منظمي ملتقى الحوار الثقافي العربي الألماني أن تُجمع ملخصات الحوارات المهمة والعميقة في كتاب (بأكثر من لغة) للتوثيق وإعطاء فرصة للباحثين العرب وغيرهم لمواصلة الحوار والبحث في قضايا جوهرية نوقشت خلال الملتقى. وسأقترح أيضاً إنشاء موقع إلكتروني (باللغتين العربية والألمانية) توثق عبره حوارات الملتقى كي يكون ضمن قنوات التواصل العربي الألماني.

وهي أمنية أن يكون هذا الملتقى المهم نواة لمشروع يؤسس لحوار متواصل بين المثقفين العرب ونظرائهم الألمان إذ ربما أصبح قريباً «مؤسسة» تؤسس لمزيد من الفهم والوعي والتواصل بين ثقافتين ولغتين تجمعهما هموم إنسانية مشتركة ومستقبل مليء بالجديد من التحديات والمخاطر!

ولابد من عودة قريبة لكثير من القضايا والتعليقات التي طرحت خلال الملتقى فبعد «الوجبة الفكرية الدسمة» التي قدمت خلال يومي الفعالية الأسبوع الماضي، لا مفر من «استراحة» تأمل قصيرة قبل الخوض في تفاصيل حوارات مهمة لنخبة الفكر من عالمين ظن بعضنا ـ مخطئين ـ إنهما لا يلتقيان. وقد التقيا!

كاتب ومستشار إعلامي

hattlan@post.harvard.edu