تابعت المؤتمر الصحافي الذي دافع فيه باراك أوباما عن اختياراته للرموز التي ستتولى المناصب المهمة في إدارته فوجدت أن ما قاله في ذلك المؤتمر يدعو للتأمل أكثر مما يجيب عن التساؤلات والانتقادات التي كانت قد وجهت إليه.
فأوباما الذي كان قد جعل التغيير عنوانا لحملته الانتخابية واستطاع من خلال ذلك الشعار أن يلهم الملايين الذين التفوا حوله وأيدوه، اختار للمناصب المهمة في إدارته وجوها مألوفة في واشنطن وتأتي في أغلبها ممن عملوا في إدارتي بيل كلينتون بدءا من رام إمانويل الذي اختاره رئيسا للجهاز الفني للبيت الأبيض ومرورا بإريك هولدر المرشح لمنصب وزير العدل وتيم جايتنر المرشح لوزارة المالية ووصولا إلى لاري سامرز الذي سوف يتولى منصب مستشار الرئيس للشؤون الاقتصادية. بل أكثر من ذلك إذا بأوباما يرشح هيلاري كلينتون شخصيا لمنصب وزيرة الخارجية.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ شملت اختيارات أوباما رموزا عملت مع بوش بشأن ملفات اختلفت فيها مواقف أوباما اختلافا كليا مثل وزير الدفاع الحالي روبرت غيتس المرشح للبقاء في منصبه لمدة عام على الأقل. وقد أثارت تلك الاختيارات عشرات التساؤلات حول معنى التغيير الذي كان يتحدث عنه أوباما أصلا.
وقد دافع أوباما عن اختياراته قائلا انه «في ظل واحدة من أكثر اللحظات الاقتصادية حرجا في تاريخنا كان سيحق للأميركيين أن يشعروا بالقلق لو أنني تجاهلت أصحاب الخبرة».
وقد أضاف الرئيس المنتخب في المؤتمر الصحافي نفسه أن إدارته سوف تجمع بين الخبرة والفكر الجديد، مشددا على ضرورة أن «يعي» الناس «من أين سوف تأتي رؤية التغيير: مني أنا». وفي واقع الأمر فإن ما قاله أوباما في ذلك المؤتمر الصحافي يدعو فعلا للتأمل لأنه يحمل معنيين أظن أنهما يختلفان كثيرا عما قاله الناخبون في صناديق الاقتراع يوم اختاروه رئيسا للبلاد.
المعنى الأول الذي قاله أوباما هو أن الخبرة هي ما تحتاجه أميركا في لحظات الأزمات الكبرى. وهو معنى يختلف تماما عن المعنى الذي قاله الناخبون حين انتخبوه. فلو أن الناخبين يؤمنون فعلا بتلك الفكرة لفازت هيلاري كلينتون بترشيح الحزب الديمقراطي ولفاز جون ماكين بمنصب الرئاسة.
ففي الحملة التمهيدية لم يكن أوباما ينافس فقط هيلاري كلينتون صاحبة الخبرة الواسعة بالعمل السياسي وإنما كان ينافس أيضاً مرشحة تمتلك شبكة علاقات مذهلة بنتها هي وزوجها على مدار عقود طويلة من العمل العام. لكن الناخبين الديمقراطيين فضلوا أوباما بل اعتبروا أن محدودية خبرته ميزة وليست عيبا لأنها تعني أنه ليس معتادا على أساليب واشنطن وألاعيبها وأفكارها التقليدية ومن ثم الأقدر على إحداث التغيير المطلوب.
وفي المرحلة النهائية أيضا، كان أوباما ينافس واحدا من أكثر الوجوه خبرة في واشنطن، وهو جون ماكين الذي سمحت له سنوات عمله الطويلة بأن يكون صاحب دراية حقيقية في شؤون كثيرة بدءا بالأمن القومي والسياسة الخارجية ووصولا لقضايا مثل الهجرة وتمويل الحملات الانتخابية. ولو أن الناخبين فعلا يبحثون عن الخبرة لاختاروا جون ماكين.
بعبارة أخرى، إذا بأوباما الذي اختاره الناخبون أملا في التغيير يقول لهم بنفسه أنه شخصيا يؤمن بأن الخبرة ذات أهمية قصوى في هذه الظروف الحرجة، وهي رسالة بالغة الدلالة في نوع المفارقة التي حملتها!.
أما المعنى الثاني الذي حمله أوباما لناخبيه فهو ذلك الذي لخصه في عبارته القصيرة التي نبههم فيها إلى المصدر الذي سيأتي منه التغيير قائلا «مني أنا».
وهي عبارة بالغة الغموض في واقع الأمر تحمل دلالات عدة. فهي من ناحية تحمل في طياتها معنى بالغ الخطورة لأنه ينطوي على درجة عالية من شخصنة الأمور من جانب رئيس انعقدت الآمال عليه ليعيد الاعتبار إلى الديمقراطية المؤسسية بعد سنوات بوش العجاف التي تحول فيها الرئيس إلى حاكم ذي صلاحيات هائلة دون رقابة حقيقية.
ففي عهد بوش، تم استغلال الفترة التي كانت فيها شعبية الرئيس في أعلى معدلاتها لتمرير مجموعة من القرارات التي أدت إلى اتساع مذهل في صلاحيات الرئيس والمؤسسة التنفيذية على حساب المؤسستين التشريعية والقضائية.
والرسالة التي تنطوي عليها عبارة أوباما تطالب المواطنين بالثقة فيه وهي في ذلك تشبه إلى حد كبير تلك الرسالة التي كان يستخدمها فريق بوش ـ تشيني كلما بدا ما يفعله الرئيس غير مألوف ولا مقبول.
ومع ذلك، يظل ما قاله أوباما ليس مناهضا للدستور الأميركي وإنما يتسق معه تماما. ذلك لأن الدستور يضع فعلا السلطة التنفيذية في يد الرئيس وحده لا في يد الجهاز التنفيذي أي أن العاملين في الوزارات والهيئات المختلفة بمن في ذلك الوزراء ليست لهم في الواقع صلاحيات مستقلة عن الرئيس وإنما مستمدة منه شخصيا وهو وحده صاحب القرار، بينما دور الوزراء استشاري وفق الدستور.
ومن هنا تأتي أهمية الدلالة الثانية التي انطوت عليها تلك العبارة القصيرة التي قالها أوباما. فهي تحوي في طياتها قناعة لديه بأنه قادر على أن يحيط نفسه بفريق من المخضرمين الذين عملوا من قبل وفق الأطر والأفكار التقليدية ثم يقدم من خلالهم قرارات تعبر عن تغيير حقيقي. وتلك فعلا رؤية جديرة بالدراسة لأنها لم تتحقق من قبل. فعادة ما يكون اختيار الشخوص تعبيرا عن نوع السياسات المرتقبة.
كاتبة مصرية
