اعتراض الزوارق الحربية الإسرائيلية سفينة الإغاثة الليبية (المروة) في المياه الإقليمية الفلسطينية وإجبارها على العودة أدراجها، واضطرار طاقمها إلى تحويل بوصلة سفينتهم إلى ميناء العريش المصري، لا يدل على عنصرية الكيان الإسرائيلي وحقده على الشعب الفلسطيني وعدائه للبشرية فحسب، بل يؤكد بمنعه دخول أبسط حقوق الإنسان ومقومات حياته أنه لا يقيم وزنًا لا للشعوب العربية ولا لأنظمتها ويريد أن يبعث رسالة إلى كل من يفكر بإرسال مساعدات أن عمله الإنساني هذا لن يكتب له النجاح، إلا عبر التنسيق مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
وهذا الشرط ينطوي على أهداف خبيثة من بينها أن الطلب من الكيان الإسرائيلي المحتل لإدخال مواد إغاثة إلى المنكوبين من الشعب الفلسطيني في قطاع غزة كخطوة أولى ثم التنسيق معه وإخضاعها للتفتيش يعني ضمنًا اعترافًا من أولئك الرافضين لسياسة التطبيع مع الاحتلال، وجعلهم يرضخون لشروطه ومطالبه، وفي هذا أيضًا رسالة لبعض الدول العربية التي ترفض التطبيع مع الكيان الإسرائيلي قبل الوصول إلى سلام شامل يعطي كل ذي حق حقه، والتي قرر وزراء خارجيتها في اجتماعهم مؤخرًا بالقاهرة إرسال مساعدات إنسانية إلى الشعب الفلسطيني في قطاع غزة فورًا.
وبالتالي يكون الاحتلال الإسرائيلي قد حقق أحد هدفين إما تطبيع ضمني وجعل الدول التي تقف على مسافة بعيدة من سياسات الاحتلال مدفوعة بالجانب الإنساني مُنفِّذةً لإرادته، وإما ضمان عدم وصول مواد إغاثة لضحايا الحصار في القطاع، انطلاقًا من أن هذه الدول كمبدأ ترفض الطلب والتنسيق مع الكيان الإسرائيلي، وتفضل اختيار تسيير رحلات إغاثة بعيدًا عن أي تنسيق أو خضوع لرغبة الاحتلال، عندها سيكون مصير هذه الرحلات مصير (المروة) الليبية.
إلا أن كل ذلك في النهاية يكشف ضعف الموقف العربي في فرض إرادته ونقل صراعه إلى العالم الخارجي بما يمتلكه من وسائل وأدوات تمكنه من فضح الممارسات اللاإنسانية التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين الفلسطينيين، والتنكيل بهم، وكيف يسومهم سوء النكال والعذاب، موظِّفًا التخاذل الدولي تجاه ممارساته والدعم السياسي والعسكري له في انتهاك صارخ لحقوق الإنسان التي يُنصِّب بعض القوى الكبرى مدافعًا عنها رافعًا العصا الغليظة على من يريد، بينما تخفض وتكسر هذه العصا أمام فظاعات الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه.
سلطات الاحتلال الإسرائيلي وقفت صاغرة أمام ثلاثة مراكب لكسر الحصار أبحرت من قبرص لنقل مؤن ومساعدات إنسانية لقطاع غزة وعلى متنها ناشطون مؤيدون للقضية الفلسطينية، بينهم شخصيات سياسية ونواب أوروبيون، وكان من الواجب أن يتوقف العرب أمام ذلك لماذا (لا) لهم، و(نعم) لأولئك؟ مع أن المعادلة لا تستدعي جهدًا للتفكر والتأمل، لأن الواحد من أصحاب (نعم) يستطيع أن يقلب الموازين في بلاده من خلال نقله إلى وسائل إعلام بلاده الغطرسة الإسرائيلية.
وما رآه من فظائع ولو بصورة واحدة، إذا تعرض لمضايقة أو منع من الدخول، لكن ما وسائل أصحاب (لا)؟ للأسف لا شيء، بل تطاردهم هذه (اللاءات) في كل وقت وحين وسيظلون، لأنهم لا يزالون عاجزين عن توظيف ما لديهم من قدرة ووسائل في نقل قضاياهم العادلة إلى العالم، ولم يعد يقوون إلا على أساليب الشجب والإدانة، ولذلك لا عجب أن تقابل سفن المساعدات العربية بالعنجهية الإسرائيلية.
