منذ الاجتياح الأميركي للعراق عام 2003 أوقعت الإدارة الأميركية مناصريها وأعداءها في دوامة مثيرة للجدل على الدوام. بادئ ذي بدء اعتمد الغزو واستمراره في منهجيته الغريبة على جملة من الأكاذيب والحجج الواهية تكاد لا تنطلي على عقل أحد في المنطقة والعالم.

آخر حلقة هزلية أو مهزلة في هذا المسلسل الدوامة هو العرض الذي تقدمت به الولايات المتحدة من جانب واحد بشأن الموافقة على معاهدة أو اتفاقية. تثير بنود تلك الاتفاقية كثيراً من القلق والتحسب والهواجس لدى الأطراف المعنية.

الاتفاقية الأميركية ـ العراقية المقترَحة لا تشمل الجزء الأمني فقط. الجزء الأمني من الاتفاقية فقط يشكل دخان بنادق أو رماداً مذرياً في العيون. هنالك جوانب اقتصادية وسياسية وثقافية وداخلية وإقليمية ودولية للبلد المنكوب.

بمجمل هذه الجوانب والتبعات ما يجعل العراق أقرب إلى حال ولاية هاواي الأميركية أو محمية بورتوريكو في البحر الكاريبي. السيادة والاستقلال وامتلاك زمام المبادرة والقرار كلها في حكم المستهدفة. حتى الجزء الأمني للاتفاق لا يبشر بأي خير حيث يضع العراق تحت رحمة الجيش الأميركي والشركات الأمنية شديدة الوطأة على الشخصية والكرامة والهوية والسيادة الوطنية.

انقسم السياسيون العراقيون بين مؤيد لتوقيع الاتفاقية ومعارض ومحايد حائر. مجلس الرئاسة العراقي الذي يمثل الأطياف الرئيسية الثلاثة للشعب العراقي موافق بحذر باد على وجوه وخطوات أقدام السادة الثلاثة وبدرجات متفاوتة. الطرف الكردي موافق ومبتهج مرحِّب يليه الطرف الشيعي ثم السني. مجلس الوزراء العراقي موافق بشبه إجماع بين الذين حضروا الاجتماع.

يمكن القول ان القيادة العراقية الحالية قد تم «تكريدها» سياسياً. ما أن يصدر قرار أو تلوح بادرة أميركية حتى يسارع الطرف الكردي المسيطر على قبولها وإجبار الآخرين على ذلك دون حتى النظر في محتوياتها.

أطلّ زيباري وزير الخارجية العراقي وأخبر أعضاء مجلس النواب أن تلك الاتفاقية هي بصيغتها النهائية غير قابلة للتعديل أو العبث بها. الرسالة «الزيبارية» لأعضاء مجلس النواب أن هذه الاتفاقية صفقة واحدة كاملة إما أن تقبلوها أو ترفضوها (Approve It or Disapprove It).

وقع مجلس النواب العراقي الذي من المفترض هو الأقرب على تمثيل الكتل والشرائح الشعبية، وقع في فخ الحيرة والتردد. الاتفاقية الأمنية الأميركية ـ العراقية لا ترحم أحداً. المحسوبون على أنهم موالون لإيران والذين في جلهم موافقون على توقيع الاتفاقية هم حقيقةً أكثر المستهدفين من هذه الاتفاقية المشؤومة.

الأمور لديهم مثل محاولة الاختيار في السقوط بين أهون «نارين متأججتين». الأطراف المعارضة للاتفاقية وحتى المعتدلة لا تقل تشاؤماً واستهدافاً. منذ البداية وُضع التيار الصدري في خانة الخارجين على القانون والقاعدة والميليشيات والإرهابيين وفلول النظام السابق.

لا توجد حدود شكلية أو حتى خطوط وهمية نظرية في تشكيل مدى ومجال عمل وتأثير بنود الاتفاقية. كل البنود خاضعة للتأويل الأحادي الجانب وتخدم الطرف الأقوى. حتماً لا توجد في الاتفاقية من بنود صريحة واضحة تمنع الولايات المتحدة من اتخاذ العراق منصة لشن عدوان على الآخرين في الجوار القريب والبعيد.

لا توجد بنود تجبر الطرف الأميركي على مراعاة مشاعر وأحاسيس وكرامة وخصوصية المجتمع العراقي العربي والمسلم. الشعب العراقي بطبيعته وتكوينه وتثقيفه مناهض لكافة أنواع الاستعمار والتسلط والتبعية. لا يوجد في شرائح الشعب العراقي، باستثناء القيادات السياسية الكردية وميليشيات البيشمركة الخاصة بها، من يوافق على بقاء القوات الأميركية في العراق دقائق إضافية حتى لأهداف التدريب وتطوير الجيش وكوادر الأمن العراقية.

التوقيع المرغم بنعم على الاتفاقية يوقع الساسة العراقيين في مواجهة خطيرة مع أنفسهم وشعبهم. الاستنكاف والتنكر للاتفاقية يوقع الساسة أعلاه في حالة مواجهة وصدام مع الطرف الأميركي الذي يشكل العمود الفقري حالياً لبقائهم في مواقعهم في السلطة.

لإرضاء الرئيس الأميركي المنصرف من الحكم جورج بوش الابن على الكثير من الساسة العراقيين المعتدلين والمتشددين أن يدفعوا الثمن غالياً، بل وغالياً جداً. لإرضاء الشعب العراقي على هؤلاء الساسة بدء حزم حقائبهم والعودة من حيث أتوا مع جحافل الغزو.

كما كافة خطوات نشر الديمقراطية الأميركية في العراق، حيث جميعها تفتقر إلى الروح والنفَس الديمقراطيين، كذلك هي الاتفاقية الأمنية. في النهاية لا مفر لمجلس البرلمان، المشكّل من أغلبية ساحقة من «المعمّمين» المغضوب عليهم عقائدياً أميركياً وغير القادرين أصلاً على العمل والتواجد خارج «المنطقة الخضراء» المحصنة أمنياً أميركياً، إلا أن يقبل بها.

يفرز التوقيع على هذه الاتفاقية أعضاء مجلس النواب ما بين الانتحاري أو الاستشهادي الحقيقي والقابل للاستسلام. السياسة الأميركية في التعامل مع الآخرين تعتمد على التآمر والمقامرة والمغامرة ومحدودية النضج العقلي والمنطقي والسياسي.

لا احترام لدى الطرف الأميركي للمقابل له في اللعبة. الضعيف، المتذاكي والحال هذه، يجب أن يدفع الثمن غالياً وعزيزاً من كرامته الشخصية والوطنية والإنسانية ومقدّراته الطبيعية التي يشكل البترول والموقع الجيو ـ استراتيجي في العراق أهم مقوماتها.

هذا مع عدم الانتقاص من قيمة الدوافع الأخرى المشجّعة أو المحفّزة للغزو. تتمثل تلك الدوافع في انتزاع العراق أرضاً وشعباً من محيطه العربي والإسلامي والعبث به. ذلك أسوة بما حدث سابقاً في الأندلس ويحدث الآن في فلسطين وجنوب السودان وغيرها من مناطق العالم الإسلامي القابلة للقضم جغرافياً أو الهضم ثقافياً أميركياً، أو كليهما معاً.

Nasrin@uaeu.ac.ae