هناك عاملان رئيسيان أسهما إلى حد كبير في تعرية الإخفاق الكبير لايديولوجية المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأميركية، الأول: الحرب الأميركية على العراق التي لم تحقق فيها إدارة الرئيس بوش النصر المرجو.
بل إن كل ما حققته واشنطن في هذا الصدد هو التوقيع على الاتفاقية الإستراتيجية التي تعتبر بمنزلة التعويض الوحيد الذي خرج به الرئيس الأميركي جورج بوش من حربه الخاسرة في العراق. الثاني: الأزمة المالية العالمية، التي كشفت أفول «وول ستريت» رمز السيطرة المالية العالمية، ونهاية الثورة الريغانية، التي دشنت عصر انتصار الليبرالية الجديدة.
في عام 1989 نشر الكاتب فرانسيس فوكاياما أحد أشهر المثقفين من المحافظين الجدد مقالته الشهيرة حول نهاية التاريخ، في مجلة «فورينغ أفيرز» الأميركية، فقال:«سنشهد خاتمة التطور الايديولوجي للبشرية وتعميم الديمقراطية الليبرالية الغربية كالشكل الأخير لحكم البشر..».
فقبل انهيار الاتحاد السوفييتي بكثير من الوقت، اعتبر فوكوياما أن نموذج الديمقراطية الأميركي يستعد ليصبح معيارا عالميا، تسير على هداه بقية الأمم الأخرى. وبعد الانتصار المدوي في حرب الخليج الأولى (1990-1991) اعتبر العديد من المحللين الغربيين أن القرن الحادي والعشرين سيكون قرنا أميركا بامتياز.
وكان فوكوياما من أشد المدافعين عن الغزو الأميركي للعراق، لكن هاهو فوكوياما يجد نفسه معاقبا بعد خمس سنوات من ذلك الغزو، ويقسم أنه لم يكن في يوم من الأيام من المحافظين الجدد، ويقوم حاليا بنقد ذاتي. ففي كتابه الجديد«أميركا عند مفترق طرق» يسحب فوكوياما دعمه لحرب العراق، بقوله:«إن إدارة بوش تمادت وتجاوزت حدودها وهي تعد بسرعة وارث الولاية الأولى».
لقد أدرك فوكوياما أسوة بغيره من المحافظين الجدد، أنه كان ساذجا حين أيد تغيير النظام في العراق، بوصفه قوة مستبدة تقف في وجه تقدم التاريخ. لكن الذي يطرحه فوكوياما : ما هو الخطأ الذي اقترفه المحافظون الجدد ؟ لقد خضع المحافظون الجدد للوهم القائل إن «الهيمنة الأميركية الحميدة» قد تلقى ترحيبا كبيرا في الخارج، هذا أولاً.
وثانياً، كانوا مقتنعين بالعمل في ظل نظام دولي أحادي القطبية. وثالثاً، اعتمدوا سياسة وقائية ترتكز على تكهن المستقبل أكثر مما كان ممكنا. إضافة إلى ذلك، استخف المحافظون الجدد بأخطار الديمقراطية في الشرق الأوسط كأن يفوز الإسلام الراديكالي في الانتخابات.
لقد قام المحافظون الجدد بهذه الحرب الاستباقية لأنهم يعلمون أن الرئيس السابق صدام حسين لم يكن يملك أسلحة دمار شامل، ولوكان يملكها لما قاموا بها. ثم إن الميزة الرئيسة لنظريات «الحرب الاستباقية» و«الحرب على الإرهاب» هي امتلاك القدرة على خوضهما عندما يكون العدو عاجزا عن الرّد( من هنا كانت الضرورة تقتضي الكذب حول التهديد الذي يمكن أن يشكله).
أما مساوئ هذه النظريات، فقد أظهرتها حالات مثل كوريا الشمالية وإيران، إذ إنه عندما يكون الخطر، عسكريا أو سياسيا، موجوداً،، فإن الأولوية للقوة من دون وسائل سياسية ناجعة، تتآكل وتتراجع. من هنا بدأ المزيج بين الجهل والكذب يتصدع. أما مع الأزمة المالية العالمية، فإن هذا المزيج قد انهار.
كان رونالد ريغان البطل الحقيقي لثورة المحافظين الجدد في بداية الثمانينيات، والذي ترجمت ثورته الليبرالية الجديدة بما سمي سياسة واشنطن الوفاقية والتي بموجبها قامت واشنطن والمؤسسات المالية التي تخضع لتأثيرها بتشجيع الدول على فتح اقتصادها، وانتهاج سياسة الخصخصة الرأسمالية على أوسع نطاق، يقول :«الدولة ليست الحل بل هي المشكل».
لكن الآن بعد حدوث الزلزال المالي وانهيار نموذج الرأسمالية المالية الأميركية، ودخول العالم في مرحلة ما بعد الثورة الريغانية، أخفقت ثقافة المحافظين الجدد ، وأصبحت إيديولوجيتهم عارية: فمن كل حد وصوب بات العالم يطالب بعودة تدخل الدولة.
وبحسب ما يعترف به الكتاب الأبيض للدفاع والأمن القومي، الذي اعتمدته الحكومة الفرنسية في يونيو 2008 لم يعد العالم الغربي، أي أوروبا وأميركا بشكل أساسي يستحوذ بمفرده على المبادرة الاقتصادية والإستراتيجية كما كان عليه الأمر عام 1994.فهل سيكون العالم متعدد الأقطاب؟ حسب تساؤل آلان غريش في مقالته المنشورة بصحيفة لوموند ديبلوماتيك نوفمبر 2008.