مرة جديدة تلقي الأحداث بظلالها على تفاصيل العمل الدبلوماسي العربي لتعكس لنا صورة قاتمة أخرى تضاف إلى ما سبق من تجارب مأساوية ومخجلة تدعو في حدها الأدنى للتفكير والتأمل وأخذ العبر.

والفريد في الأمر هذه المرة، أن العرب ليسوا «متورطين» في فشل دبلوماسي معيّن حتى لو كان أداؤهم قد ساهم بخلق الفضيحة حتما، بل هم هذه المرة ضحايا مغلوب على أمرهم، تائهين لا يعرفون كيف يتصرفون وعلى أية جهة يردّون.

وإن تجرؤوا، فإن أداءهم يكون ركيكا عديم الفائدة، أو مدويا كزوبعة في فنجان ضيق، ما يؤدي تاليا للإمعان بإضعافهم في ساحة العمل الدبلوماسي والسماح للآخرين باعتبارهم طريدة سهلة المنال في أي مكان و زمان.

بداية، هذه تفاصيل حدث واقعي جرت فصوله مؤخرا، ومر مرور الكرام دون أن تلتفت إليه دوائر العمل الدبلوماسي العربي بالشكل المطلوب. وبالرغم من أن بعض تلك الدوائر قد تكون انتبهت لما جرى ومارست دورها الراصد من خلال السفارات المنتشرة في مكان الحدث، لكنها تعاملت معه ضمن القنوات الدبلوماسية المتعارف عليها، أي تلك التي تبقى في غالب الأحيان غير علنية إن لم أقل سرية، خوفا من تداعياتها على الرأي العام في البلد المتضرر.

قبل أيام، وفي سابقة غير معتادة في العمل الدبلوماسي، نشرت وسائل الإعلام التشيكية محضر اجتماع عقد قبل فترة بين الرئيس الفرنسي ساركوزي الذي تستعد بلاده لتسليم رئاسة الاتحاد الأوروبي، ورئيس الوزراء التشيكي توبولانيك الذي تستعد بلاده لتسلّم الرئاسة.

الفريد في ما جرى ليس عملية النشر بحد ذاتها وإن كانت محور الموضوع، بل لأنها تمت بعد تسريب المحضر بشكل يثير الاستفزاز والقرف في الوقت نفسه. لماذا؟ لأن هذا المحضر بكل بساطة ينقل فحوى حديث ناقد حول العالم العربي تم خلف الكواليس بين رجلي دولة يتبوّءان مركزين مهمين، حيث حرص الطرف المسرّب على إظهار ما وصفه بامتعاض ساركوزي من العرب ( رجال الدولة أمثاله ) «المرعبين» في العمل الدبلوماسي.

وكيف أنه من الصعب التعامل معهم، وتسوية خلافاتهم، وإدراك مشاكلهم، وما إلى ذلك من الأمور «المشرفة» الأخرى التي يحفل بها قاموس رؤساء الدول حيال ممثلينا من رؤساء وقادة على اختلاف انتماءاتهم السياسية والجغرافية. كل ذلك تم، حسب المحضر، لأن ساركوزي حاول إقناع التشيك بكف يدهم عن رئاسة اتحاد دول البحر الأبيض المتوسط، لأن فرنسا قادرة أكثر منهم على «ضبط» العرب وتطويعهم بما يخدم القضايا التي أنشئ من أجلها الاتحاد المذكور.

الانطباع الذي تولد في نفس أي مواطن عربي أثناء قراءته لهذا المحضر هو حتما غير الانطباع الذي ترسخ في ذهن القارئ الأوروبي. ففي الوقت الذي شعر فيه الأول بالأسى والمهانة من هذه المواصفات العجيبة التي تطلق على قادتنا خلال اللقاءات الرسمية، فإن الثاني، أي الأوروبي، تكرست لديه مفاهيم سيئة كثيرة هي أصلا موجودة في ذهنه عن العالم العربي، حيث كانت وسائل الإعلام الموجهة أو المدارس الإيديولوجية المتنوعة تزرعها في نفسه منذ نعومة أظفاره.

ثمة مجموعة من الأمور التي يجب استعراضها لاستدراك خطورة ما جرى: فالمحضر المذكور تم تسريبه وفق ما اكتشفنا لاحقا، من أحد موظفي وزارة الخارجية التشيكية بهدف استغلاله في الصراع السياسي ؟ الحزبي الداخلي الذي يخوضه رئيس الوزراء حاليا مع منافسيه ومنهم رئيس الجمهورية فاتسلاف كلاوس المعروف بنظرته الناقدة لعملية التكامل الأوروبي.

وإن دل ذلك على شيء، فإنه يدل على أمرين خطيرين. الأول أن هناك مراهقة مهنية غير اعتيادية في دوائر العمل الدبلوماسي لدى الدول المنضوية حديثا تحت لواء الاتحاد الأوروبي حتى لو كانت تستعد لترؤس هذا الاتحاد، وأن هذه الدول تبدو مهترئة حتى النخاع فيما يخص تماسكها المؤسساتي لأنها عرضة للتأثير الحزبي الداخلي.

وهناك كثيرون ممن باتوا يعتقدون بأن هذه المؤسسات أصبحت تقترب في تراجعها من درجة الاهتراء المؤسساتي العربي وغيرها من مؤسسات الدول النامية، فلا تغرنّكم التصريحات والتلميعات الإعلانية الكثيرة التي نرصدها بين الفينة والأخرى.

الأمر الثاني الخطير الذي أظهرته هذه التجربة، هو أن العرب يعتبرون للأسف «مكسر عصا» لكل من يحاول حل خلافاته أو تنفيس حقده وتطرّفه العقائدي أو القيادي، لمعرفته المسبقة بأن هؤلاء العرب سيتعاملون مع الأمر برحابة صدر انطلاقا من روح التسامح المتجذّرة في نفوسهم، لكن أيضا بسبب ضعفهم وتشتّت أدائهم الدبلوماسي وغيره في ساحة العمل الدولي.

ولعل أبرز مثال على ذلك ما صدر من ردود أفعال على الساحة التشيكية بخصوص ما جرى، حيث ركّز المسئولون جميعا على اعتبار الأمر بمثابة خطأ بشري يتحمل مسؤوليته أفراد، وبالتالي فأنه لن يؤثر على العلاقات التشيكية..

الفرنسية بأي شكل من الأشكال. في نفس السياق، اعتذر وزير الخارجية التشيكي من... فرنسا، واعتبرت نائبة تشيكية في البرلمان الأوروبي بأن ما جرى لا يعتبر كارثة بل مجرد خطأ دبلوماسي تمت تسويته من خلال الاعتذار من.. فرنسا.

الغريب في الموضوع أن أي من هؤلاء المسؤولين أو المتورطين في هذه القضية، لم يتطرّق إلى العرب لا من قريب ولا من بعيد. فلم يكترثوا للكرامة العربية، ولا لمشاعر الغضب التي تولدت في نفوس من شعروا أنهم مستهدفون من خلال الكلام الدبلوماسي الوقح الذي تم تسريبه.

كما لم يعتبروا بأن ذلك سيؤثر بأي شكل من الأشكال في العلاقات مع العالم العربي. أما الأغرب في كل هذه المعمعة الدبلوماسية الفريدة، فهو أن الدبلوماسيين العرب لم يحرّكوا ساكنا لاستيضاح ما جرى.. فالأمر، بطبيعة الحال، لا يستأهل كل هذا الاهتمام.

ezzedine@vol.cz