في العام 2003، كتب الممثل الكوميدي الإفرو ـ أميركي كريس روك وأخرج فيلم «رأس الدولة ـ Head of Statez، وهو شريط هذياني ساخر يتحدث عن وصول رئيس افرو ـ أميركي إلى البيت الأبيض، الآن اكتسب ذلك الشريط الهذياني قيمة، بل ومن الممكن أن يشار إليه كعلامة من إرهاصات تغيير ينشده الأميركيون.

ينتزع كريس روك (أحد الكوميديين المفضلين لدي) وطاقمه من الممثلين ضحكاتنا ويدفعنا للقهقهة مرارا في مشاهد الفيلم، وفي النهاية يتفوق المرشح المغمور مايس غيلمان (كريس روك)، على نائب الرئيس مارتن جيلير (ديلان بيكر) الذي خدم ثماني سنوات نائبا للرئيس وبطل من أبطال الحرب وابن عم الممثلة شارون ستون مثلما يردد طيلة الفيلم، ويصبح أول رئيس إفريقي للولايات المتحدة.

لكن باراك أوباما لم يكن يلقى بالنكات أثناء حملته الانتخابية، وما بدا هزليا وسرياليا في شريط كريس روك الساخر ذاك، تحول إلى حقيقة بعد خمس سنوات من إنتاج الفيلم. الفارق كبير بين خيال كريس روك الساخر وبين رؤية أوباما التي حملته لخوض أطول الحملات الانتخابية وأكثرها جذبا للاهتمام في أميركا والعالم. لكن في الفيلم كما في حملات أوباما، تتردد العبارة الأثيرة لمارتن لوثر كينغ «لدي حلم». كلمة السر هنا هي: التغيير.

ما كان ينشده مارتن لوثر كينغ هو التغيير، وما دفع كريس روك لكتابة سيناريو ذلك الفيلم هو رغبة وان خفية في التغيير، أما باراك أوباما فقد اقتنع تماما أن الوقت قد حان للتغيير. لقد أجبر أوباما الأميركيين جميعا على التوقف والتعامل مع من كان يبدو مرشحا لن يصمد في الحملات الأولى، من أمثال رالف نادر (رغم الاحترام الواسع الذي يحظى به) أو روس بيرو المليونير التكساسي الذي كادت أمواله وسخريته اللاذعة أن تجعل منه رئيسا.

أوباما بدا مختلفا تماما عن هؤلاء، رغم طابع الحلم والرغبة في التغيير التي تجمعه مع شخص مثل رالف نادر مثلا. والسؤال عن السر الذي تحول فيه شخص يتحدث عن الأحلام إلى مرشح إجماع على ذلك النحو المتسارع الذي شهدناه في الحملة الانتخابية، ليس مرده أن خصمه ضعيف أو غير مقنع، بل بالتأكيد إيمان قوي لدى الناخبين بقيمة ما يطرحه.

على مدى شهرين تصدر أوباما غلاف مجلة «نيوزويك» بشكل متواصل، وفي عددها الأخير مضت «نيوزويك» إلى ابعد من المدلولات الرمزية في فوزه، وشبهته بواحد من أكثر الرؤساء الأميركيين احتراما: «أبراهام لينكولن».

لكن من زاوية أخرى، فإن احتفاء الأميركيين والعالم بأوباما يظهر حاجة العالم إلى زعماء استثنائيين، رغم أن كل ما لدى المحتفين هو الأمل والترقب فقط ليروا ما إذا كان هذا الاحتفاء يستحق ما هو أكثر من المدلولات الرمزية. لقد بكى القس جيسي جاكسون يوم إعلان فوز أوباما، وراح العالم منذ ذلك اليوم وقبله أيضا يفيض في التعبير عن آمال عريضة في التغيير على أكثر من صعيد. ما السر في هذا؟

كم رئيسا أو زعيم دولة حظي بمثل هذا الاحتفاء في السنوات القليلة الماضية.. أو حتى في العقدين الماضيين من القرن العشرين؟ قليلون بالتأكيد، والمرة الأخيرة التي خرج فيها الناس في أي بلد للاحتفاء بزعيم سياسي كانت في 1988 عندما زار ميخائيل سيرغيفتش غورباتشوف ألمانيا.

حيث خرج آلاف الألمان ليستقبلوه في الشارع. لقد كان الألمان يهتفون لآخر زعيم سوفييتي بتصغير محبب لاسمه.. «غوربي.. غوربي». فالزعيم السوفييتي الأخير زار برلين يسبقه صخب حركة إصلاح بدأها في بلاده، تحت عنوان تحول إلى مفردة في القاموس العالمي «بيروسترويكا» ورديفتها الأخرى «غلاسنوست».

لكن رغم أن غورباتشوف ترك بصمته الواضحة على تاريخ روسيا الحديث والعالم بشكل ما، فقد توارى سريعا في ظلال الذاكرة لأن المياه التي تدفقت بعد ضربات قليلة في جدار السد سرعان ما تجاوزت أقصى ما كان يفكر فيه.. وبقي السؤال معلقا: هل كان غورباتشوف يريد تجديد شباب الاتحاد السوفييتي أم انه كان يخطط ببراعة وبأسلوب مموه للقضاء على الاتحاد السوفييتي؟

هذه مهمة المؤرخين الآن لكي يبحثوا عن جواب لأسئلة معلقة حول واحد من أكثر الأحداث التي غيرت مسار تاريخ العالم في أواخر القرن العشرين، وسواء كان غورباتشوف مبجلا لدى البعض أو ملعونا لدى آخرين، فمنذ ذلك الحين وحتى اليوم، نال غورباتشوف من الاحتفاء ما ناله باراك أوباما ولا يزال حتى اليوم.

بعد العام 1988 بقليل، احتفى العالم في العام 1990 بزعيم آخر هو نيلسون مانديلا، وفيما كان غورباتشوف وأوباما قد حظيا بالاحتفاء قبل أن يختبرهما العالم، فقد أطل مانديلا على العالم يسبقه سجل طويل وعريض تختزله بطاقة تعريف تقول: «حكم بالسجن المؤبد». وكلما وطئت قدماه عدة عواصم في زياراته الأولى للخارج، حظي العالم بمشاهد ماثلة لزعيم ما زال يطلق عليه حتى اليوم «آخر الزعماء المحترمين».

هذا كله، يدفعني لسؤال يدفعني ويدفعكم للأسى قليلا: متى كانت آخر مرة حظينا فيها بزعيم يشد اهتمامنا ويجبرنا على التوقف والإنصات له باهتمام؟ منذ زمن بعيد بالتأكيد. اصنعوا فيلما على الأقل، فقد فعلها فنان هزلي أميركي قبل خمس سنوات، وتحول الهذيان إلى حقيقة.

mfadhel@batelco.com.bh