رغم التباعد الجغرافي، تتلاشى الطبقة الوسطى في بلدان مثل كينيا والأرجنتين وباكستان واليمن في آن معاً. فهل هذا التزامن مجرّد مصادفة؟ في غالبية بلدان العالم الثالث بات المجتمع يتكون من طبقتين فقط: شريحة طبقية صغيرة يعيش أصحابها بمستوى غربي في الرفاهية ويحتفظون بحسابات مصرفية شخصية في بنوك خارجية يودعون فيها ما يعادل مئات الملايين من الدولارات الأميركية.
أما الطبقة الأخرى فهي الغالبية العظمى من ملايين الأسر الفقيرة التي تعيش على دخل لا يتجاوز ما يعادل دولار أو دولارين في اليوم. وقد تضخمت البنية البشرية لهذه الطبقة بعد أن انضمت إليها أجيال جديدة من أبناء الطبقة الوسطى. كانت الطبقة الوسطى تتكون من جموع الموظفين المهنيين بمختلف تخصصاتهم في مؤسسات الخدمة العامة. فالحكومة كانت أكبر ـ وأفضل ـ مخدم في بلدان العالم الثالث.
ولكن حال أبناء هذه الطبقة أخذ يتدهور إلى أن صاروا جزءاً لا يتجزأ من نسيج الطبقة المعدمة، لا.. إنها ليست مجرد صدفة! هذا هو الواقع الجديد الذي نشأ في مجتمعات العالم الثالث نتيجة للسياسات الاقتصادية والتجارية والمالية التي ظلت تطبقها على هذه المجتمعات دول ومؤسسات الغرب ـ وخاصة الولايات المتحدة ـ باسم مبدأ «اقتصاد السوق الحر».
الهدف الاستراتيجي الأعظم لهذه السياسات هو نهب ثروات هذه البلدان بنهج منظم، والأسلوب هو إقامة علاقة تواطؤ بين حكومات الغرب والطبقة الحاكمة في البلدان العالمثالثية لإطلاق يد الشركات الغربية باسم الحرية الاقتصادية.. وتقليص دور الدولة عن طريق تجريدها من وسائل الهيمنة على حركة الاقتصاد الوطني.
هكذا وصلت دول العالم الثالث إلى حافة الإفلاس ما اضطرها إلى إدمان الاقتراض قصير الأمد للوفاء بالحد الأدنى من متطلبات البقاء على قيد الحياة. وكانت النتيجة أن القروض ذات الفوائد العالية المركبة تحولت إلى مديونية ضخمة تستنزف ما بقي لدى الاقتصاد الوطني من رمق. ومع مرور السنين أصبحت الدولة عاجزة تماماً عن تقديم الخدمات الأساسية لجمهرة المواطنين ذوي الدخول المحدودة فانهارت مؤسسة التعليم الحكومية ومؤسسة الرعاية الصحية..
وانتشرت البطالة بين خريجي الجامعات والمعاهد، ومع انهيار قيمة العملة الوطنية وأسعار صرفها مقابل العملات الحرة أصبحت الرواتب والأجور بلا قيمة تُذكر في سوق الاستهلاك. الآن، ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت في الولايات المتحدة ويزداد اتساع دائرة تداعياتها لن يكون وضع بلدان العالم الثالث أسوأ مما هو عليه، لكنها مع ذلك قد تساهم في حل الأزمة العالمية إذا طبق الغرب برمجة تنموية في تلك البلدان الفقيرة ينتعش بموجبها الاقتصاد الوطني فتتحول إلى أسواق رائجة للمنتجات الصناعية الغربية.