اليوم تكمل دولتنا 37 عاما من عمرها، وغدا يوم له في القلب مكان وفي الذاكرة مكانة لا ينافسه عليها يوم آخر من أيام الوطن، لأنه يوم الاتحاد الذي يقف شامخا بعد 37 عاما من قيامه، رغم كل التوقعات التي حاول بعضها أن يتنبأ له بمصير مثل مصير الكيانات الاتحادية العربية الأخرى التي لم تصمد طويلا أمام رياح المصالح المتنافرة، والتنافس على الحكم والسلطة، وصراع الأيديولوجيات والأفكار والمعتقدات، واختلاف الانتماءات.

كان مفهوم «الدولة» لدى جيل البدايات مفهوما غير واضح المعالم بحكم انعدام التجربة، رغم أن المنطقة شهدت تحالفات قبلية لكنها لم ترْقَ إلى درجة تكوين الدولة، صحيح أنه كان مفهوما يحمل صورة الحلم الذي كانت تغذيه مرحلة المد الثوري العربي التي انطلقت مع ثورة 23 يوليو 1952 بمصر، مبشرةً بعهد عربي جديد يمحو كل سيئات الماضي ويعيد للأمة العربية عنفوانها ومجدها وقوتها، لكن هذا الحلم كان قد اصطدم بعثرات.

وتكسر على صخور نكسات جعلت منه (صرحا من خيال فهوى) على رأي شاعر (الأطلال) إبراهيم ناجي، ومع ذلك فقد كان توق ذلك الجيل من قيادات وشعوب الإمارات المتصالحة ـ كما كان يُطلَق عليها وقتها ـ إلى رؤية «الدولة» متحققة على أرض الواقع كبيرا،.

لذلك لم تقف الشكليات عائقا أمام تحقيق الحلم، حتى تلك الأمور ـ التي اعتقد البعض أنها صعوبات ـ أمكن تذليلها وتجاوزها بعد أن تم وضعها في حجمها الحقيقي الذي لم يتجاوز طبيعة البشر وهم ينتقلون من مرحلة إلى مرحلة، حاملين معهم إرث الماضي والخوف من القادم، وهم يتطلعون إلى المستقبل، فكانت «الدولة».

لم تكن «الإمارات» كما يحاول البعض ممن لم يعيشوا تلك المرحلة أن يصوروها على شكل كيانات بدائية متخلفة يسيطر عليها الفقر والجهل والظلام والبؤس، فهذه اللوحة السوداوية الكئيبة إنما هي من صنع أولئك الذين يبالغون في رسم الصورة ـ بحسن نية أحيانا ـ كي تكون المقارنة بين الماضي والحاضر أكثر وقعا وتأثيرا على من لم يعش تلك المرحلة، ولم يتابع النقلة التي حدثت.

صحيح أن مستوى الرفاهية الذي نشاهده اليوم لم يكن متوفرا في تلك الفترة نتيجة عوامل كثيرة أغلبها اقتصادي، لكن «الإمارات» كانت دائما أرض خير ونعمة، يكفي أهلها مقدار الطيبة والصفاء اللذين يملآن نفوسهم، لم يحملوا لأحد حقدا ولا ضغينة حتى وهم يعانون من شظف العيش وقلة مصادره.

فقد كانوا جزءا من حالة عامة تعيشها منطقة الخليج العربي، وإن كان ذلك بمستويات متفاوتة تبعا لظروف اكتشاف النفط في كل بلد، وعندما تدفق الخير من باطن هذه الأرض حدثت النقلة الكبرى في حياة شعب «الإمارات» الذي أصبحت له «دولة».

لم تكن العصبية العرقية بوجهها المقيت ذات يوم هي المفهوم المسيطر على أهل «الإمارات» الذين آمنوا بأن «العربية» هي اللسان، وقرنوها بالأخلاق الكريمة والشيم النبيلة التي حكمت العلاقة بين أبناء مجتمع «الإمارات» الواحد، لذلك كانت «الإمارات» دائما «عربية» القلب والهوى حتى لو تعددت ألسنة المقيمين على أرضها.

وعندما طُمِست هويتها أو كادت تطمس بفعل الطفرة الاقتصادية التي شهدتها بعد قيام «الدولة» وخلال السنوات الأخيرة على وجه الخصوص، هب المخلصون من أبنائها لإنقاذ هذه الهوية، وكان على رأس من هب لحمايتها صاحب السمو رئيس الدولة ونائبه، اللذان دعيا لتدارك الأمر قبل أن يفلت الزمام من الأيدي ويتسع الخرق على الرقع فلا تعود هناك جدوى لأي علاج.

لم يكن خلل التركيبة السكانية همّاً يؤرق أهل «الإمارات» ويقض مضاجعهم عند قيام «الدولة» لأن المشكلة لم تكن قد وصلت مرحلة الأزمة، لكن «الإمارات» أرض خير وفرص كبيرة منذ أن خلقها الله، تستقطب إليها الباحثين عن سبل العيش الرغيد.

لذلك جعلت النهضة السريعة التي شهدتها «دولة الإمارات» كل هذه الآلاف المؤلفة من البشر يتوافدون إليها حتى خلقت فيها أزمة جعلت رئيس الدولة يدعو إلى جعل عام 2008 عاما للهوية الوطنية كي يعود للإمارات وجهها العربي الأصيل، وكي تحافظ «الإمارات» على صفاء قلبها ووحدة أرضها، وكي تبقى دائما كما أراد لها الآباء المؤسسون «عربية».

هكذا وبعد أن ترسخ مفهوم «الدولة» لدى أبناء «الإمارات» التي اختارت لنفسها أن تكون «عربية» تجسدت الفكرة الأساسية من هذا التجمع، وهي أن تصبح «متحدة» بعد أن أدرك الآباء المؤسسون أن زمن الكيانات الصغيرة المتفرقة قد ولى.

وأن مرحلة جديدة من العمل تنتظرهم، من أهم شروطها أن ينضووا في كيان واحد، يعمل الجميع فيه متعاونين تحت علم واحد، من أجل هدف واحد؛ هو مصلحة أبناء هذه «الدولة» التي حمل فجر الثاني من ديسمبر عام 1971 تباشير خبر ولادتها، ليسمع العالم أجمع للمرة الأولى اسم «دولة الإمارات العربية المتحدة».

وانطلاقا من هذه الخلفية التاريخية التي يجب أن نتذكرها كلما تجددت المناسبة، يتحتم علينا نحن أبناء «الإمارات» أن نعي دلالات مفردات اسم دولتنا، كي نحافظ على المنجزات التي أودعها الآباء المؤسسون أمانة في أعناقنا، فمفهوم «الدولة» الذي ترسخ يجب أن يظل مفهوما واضح المعالم غير قابل للتفتت لأنه الهدف الذي تضافرت كل الجهود كي تراه متحققا على أرض الواقع، وصورة «الإمارات» يجب أن تظل تلك الصورة التي سلمها الآباء المؤسسون لنا جميلة نقية ومشرقة.

وهوية الإمارات يجب أن تبقى «عربية» لا نتنازل عن ملامحها في سبيل الوصول إلى العالمية مهما كانت الإغراءات والمبررات ولا تشوهها رياح التحديث والعولمة، ودولتنا يجب أن تبقى « متحدة» كي لا نعود إلى الوراء 37 عاما.

ليس ثمة بيننا من يساوره شك إطلاقا في أن شعب «الإمارات» متمسك بدلالات هذه المفردات، وأن قيادته تدرك ذلك جيدا، وتسير على خطى أولئك الآباء المؤسسين الذين نستذكرهم كلما حلت ذكرى قيام الاتحاد ونحن نرى غرس أياديهم البيضاء الطاهرة، ولأننا ندرك عظمة ما أنجزوه وما يجب أن نحافظ عليه، فإن هذه المعاني تأبى إلا أن تكون حاضرة ونحن نحتفل بالذكرى السابعة والثلاثين لقيام دولتنا: «دولة الإمارات العربية المتحدة».

كاتب إماراتي

aliobaid2000@hotmail.com.ae