يريدوننا أن نتفاءل !

لا أرخص من التفاؤل عندنا؛ تعالوا انظروا كيف نتبادل التهاني بالعيد، ونتمنى لأهلنا عيدا (سعيدا)، ونتفاءل بأن (نعود لأمثاله سعداء) !

في زحمة مشاكل الدنيا، واحتمال انهيار الكثير مما يسند تماسك البشرية، وفي واقع الحصار الذي يخنق أهلنا، والمفخخات والاختطاف والتهجير والتكفير والاحتلال، وضياع صوتنا في زحمة الأزمات المالية والكوارث الطبيعية التي تجتاح العالم؛ هل كان لصوتنا حضور في هذه المعمعة الكونية لا شك!

ولكنه صوت لا يسمعه سوانا، فنحن لا نهتم ب(سوانا) ما دمنا جزرا منفردة تحلم وتخطط لأحلامها وفق رؤية لا تنظر إلى ما يجري في العالم من متغيرات ، ولا يعنيها منها إلا مقدار لا يساوي صفرا في المعادلة التي تنتظم العالم.

هذا المقدار الضئيل الذي نتبجح به من مشاركة عربية في مؤتمر عالمي، لا تثير أي اهتمام، قياسا إلى مشاركة الأمم الكبرى، ولا تبعث على التفاؤل بأننا مع العالم وتطلعاته؛ فما لدى الأمم الكبرى من المشاريع المستقبلية، والعناية الفائقة بتطوير كفاءاتها الفنية والتكنولوجية، يشفع لها أن تتفاءل.

ولو بحذر العارف الذي يرسم حدودا بين الحلم وبين الواقع، ويمهّد لمعالم المستقبل على أسس معرفية صارمة الوضوح والشفافية؛ وليس لدينا مما لديه، لا الشفافية ولا الوضوح ولا الكفاءة ولا دقّة الرصد لما سيؤول إليه مستقبلنا، بل ولا الخطط الكفيلة بتحقيق الأحلام الهوائية التي نحسن تقديمها على موائد المؤتمرات التي نساهم بغطائها من جيوبنا العربية.

ومع ذلك فنحن نتفاءل! وهو أمر حسن ما دام عكس التشاؤم المعطّل لقوى الأمّة التي ينتظر أهلها أن يقفوا إلى جانب الأمم ذات الرؤية الدقيقة لمصالحها الوطنية، واستثمار طاقاتها بالشكل الذي يستوعب حاجة الناس من مأكل وملاذ وحرية وعدالة.

نحن نتفاءل؛ والله يعلم، ونحن أيضاً، أن هذا التفاؤل لا يزيد عن الكلام الذي نسمع منه الكثير في أيامنا. كما سمعنا منه من قبل. هذا التفاؤل الفارغ الذي روّضنا عليه أنفسنا وأهلنا، وقبلنا منه تحليله واستنتاجه، لا أساس له من الواقع، ولا يمكن الركون إليه وتعزيزه بالخيالات والأحلام الوهمية التي لدينا منها رصيد تاريخي لا ينفد.

تفاءلنا، فرأينا ما لم تره الدنيا، وما زلنا نتفاءل دون النظر إلى ما صرنا إليه من مرارة وضعف ووهن وخواء. والدنيا تسير ونحن نهرع ورائها متجملين بالصبر والأمل الذي لا يسنده الواقع ولا يقبله منطق الأمور. كيف لنا أن نتفاءل ونحن كما قال شيخنا المتنبي:

وسوى الروم خلفك ظهرك روم فعلى اي جانبيك تميل

ومع ذلك فنحن نتفاءل؛ اعتمادا على صدق النية وسلامة المبدأ والرغبة الصادقة في أن يكون حضورنا في المعادلة الإنسانية حضورا ينسجم مع أخلاقياتنا وأفكارنا وواقعنا وتطلعاتنا. ولكننا، مع الأسف، نفتقر إلى المقياس الذي يفصح عن مستوى تفاؤلنا وجدواه.أما مستواه فما اتسع لنا من الأرض ومن الخيال.أما جدواه فيقتضي قراءة واقع الأمور في الدنيا وموقعنا منها، وهي قراءة متعثرة في الفناء الواقع، لا تبعث على الاعتزاز، مع الأسف.

كل تفاؤلنا انتهى إلى رصيد متراكم من الكوارث، وإلى مادة تخديرية مازالت تزحف معنا بانتظار ما تبقّى لنا مما نتفاءل به، وما لا جدوى منه. فما معنى التفاؤل هذا لا شيء، على الحقيقة، وإنما هي الطبيعة البشرية في انتظار ما هو أجمل وأنفع.

لا شيء مما بين أيدينا يبعث على التفاؤل في أن نكون بحيث يجب أن نكون غير أن نفهم ما يدور حولنا، ونتفاعل معه ونختبر قدرتنا على الحضور في محيطه، وننتظم في سياقاته بغض النظر عن المعطيات البسيطة التي تُغلق أفق التفاؤل وتضبب مجال الرؤية.

على أن التفاؤل مبني على أساسيات الوعي وزمنه، فنحن نتفاءل وفق ما يتاح لنا من استقراء الأوضاع في زمننا، ولكن هذه الأوضاع تتغير، وسيكون لمن يخلفنا أوضاع أخرى قد تبعث على التفاؤل.

كاتب عراقي

mohammed_saggar@yahoo.fr