العالم الآن يتغير بصورة ملحوظة، والمعادلات الدولية للقوى السياسية والاقتصادية والعسكرية يعاد صياغتها، والميزان الاستراتيجي بين القوى الكبرى والصغرى يجري تصحيحه في اتجاه التوازن بين الأقطاب المتعددة بعد ما كان مائلا بيد قوة منفردة تسببت على مدى السنوات الثماني الأخيرة في معظم أزمات العالم وحروبه ومآسيه..

ومن بين ما يبدو واضحا الآن أن روسيا تتقدم وتستعيد حضورها الدولي الفاعل في قارات العالم المختلفة بينما تتراجع أميركا في المجالات كافة وتفقد هيمنة القطب الواحد التي فرضتها على العالم بالقوة مستغلة الخلل الاستراتيجي الناتج عن تفكك «الاتحاد» السوفييتي .

وما تلاه من تداعيات سلبية أدت إلى غياب القطب الروسي عن المشاركة في تقرير مصير العالم لثلاثة عقود من الزمان ! فبالأمس ومع تولي الرئيس «فلاديمير بوتين» دخل «الاتحاد الروسي» إلى مرحلة استعادة القوة والعافية الاقتصادية والسياسية والعسكرية داخليا بعد انتهاء مرحلة الضعف والارتباك في عهد «الرئيس يلتسين».

وخارجيا استعاد معظم علاقاته الاستراتيجية سواء في آسيا ب«الشراكة الاستراتيجية مع الصين» وعلاقاته القوية مع الهند، وفي أوروبا بتكوين شراكة روسية أوروبية خصوصا مع فرنسا وألمانيا، وفي أفريقيا في حضوره المرحب به من الاتحاد الأفريقي، وعودة علاقاته المميزة مع مصر وليبيا وجنوب أفريقيا..

واليوم تنتقل روسيا إلى مرحلة جديدة من المبادرة والندية مع أميركا خصوصا بهذه الزيارة الرباعية الهامة لميدفيديف في أميركا اللاتينية إلى بيرو والبرازيل وفنزويلا شافيز.

وعلى الأخص بمناوراتها العسكرية المشتركة مع فنزويلا في البحر الكاريبى في رسالة ذات مغزى واضح أن روسيا لن تسمح لأميركا باللعب بالنار في حديقتها الخلفية في جورجيا وأوكرانيا دون رد، ومختتما جولته بكوبا كاسترو لتعيد إلى الأذهان الحضور الروسي العسكري تضامنا مع كوبا في أزمة الكاريبى بعد الفشل الأميركي في «خليج الخنازير» ..

علماً بأن فنزويلا بقيادة شافيز ظلت في عهد بوش أعدى أعداء السياسة الأميركية في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأميركية سابقا بعدما تحولت خمس دول فاعلة فيها إلى النظام الاشتراكي، وانضمت إلى كوبا في رفضها الحالي للوصاية الأميركية على الاقتصاد اللاتيني بعد تصديها التاريخي في الستينات بدعم سوفييتي صاروخي لمحاولة الغزو العسكري الأميركي الفاشلة.

وبينما هي غارقة في أزماتها المالية والاقتصادية بسبب السياسات البوشية الداخلية الفاشلة وبسبب سياستها الحمقاء ومغامراتها العسكرية الخارجية الخاسرة، وتستعد لعهد جديد للرئيس «باراك حسين أوباما» يبشر بالتغيير الداخلي الاقتصادي والاجتماعي والتصحيح النسبي الخارجي بالتخلي عن سياسة الهيمنة الأحادية والاتجاه إلى استعادة المكانة الدولية الأميركية في إطار تعددية قطبية وشراكة عالمية، وسياسة عقلانية تقوم على حل المشاكل الأميركية مع العالم خصوصا العربي والإسلامي وعلى الأخص مع إيران وسوريا بالحوار والدبلوماسية..

راقبت الولايات المتحدة الأميركية زيارة الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف الرباعية الأولى إلى أميركا اللاتينية، بعد زيارة رباعية للرئيس بوتين لكوبا والمكسيك والبرازيل وجواتيمالا بقلق مكتوم وحذر معلوم، في ظل المعادلات الجديدة للعلاقات الدولية والتراجع الأميركي والتقدم الروسي الكبير على المسرح الدولي .. خصوصا بالتراجع الأميركي بشأن أولوية ضم جورجيا وأوكرانيا إلى الحلف الأطلسي.

والتقدم الروسي على المسرح الأوروبي بعد اختتام القمة الروسية الأوروبية التي تفهمت فيها أوروبا الموقف الروسي من الدرع الأميركية الصاروخية والتي طوت بها التأزم الناتج عن حرب القوقاز التي بدأتها جورجيا سكاشفيلي بضوء أخضر من أميركا بوش !.

mamdoh77t@hotmail.come