يميز الاقتصاديون بين الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد الورقي، ومن الأسماء يتضح الفارق، فالاقتصاد الحقيقي هو الذي تشكله مخرجات الانشطة الصناعية والزراعية وغيرها من صنوف الانتاج الذي يعود على العالم بالنفع نتيجة ارتباطه ببرامج تنمية جادة ومفيدة، مقابل الاقتصاد الورقي الذي يقوم على نشاطات الائتمان والاعمال البنكية التي توفر ارباحا دون أن يكون لها صدى في الواقع يقدم شيئا للناس كالمضاربات والرهن العقاري والتوريق وبيع الديون إلى غير ذلك من انشطة بنكية مارستها اسواق المال خاصة في وول ستريت بنيويورك وكانت ممارسات مدمرة ادت إلى الازمة المالية الحالية التي افتعلتها الاسواق الاميركية وتركت العالم يدفع ثمنها ويعاني من عواقبها.
الاقتصاد الحقيقي اكثر فائدة لانه يراعي الجوانب الانسانية اكثر من مجرد حسابات الربح والخسارة وتضخيم الثروات لدى الاغنياء بينما يزداد العالم فقرا على فقر.
ويعتبر افتتاح مؤتمر تمويل التنمية الذي تنظمه الامم المتحدة في قطر والذي يبدأ اعماله اليوم في الدوحة، مقدمة حقيقية لإدراك العالم خطأ الانسياق وراء آليات العمل المصرفي الاميركي لسنوات طويلة دون حساب العواقب.
وكان مؤتمر الامم المتحدة في مونتيري بالمكسيك في مارس عام 2002 بمثابة انطلاقة نحو المشاريع التنموية لكنه سرعان ما تحول إلى مجرد وعود جوفاء، رغم صدور ما سمي آنذاك بـ(تفاهم مونتيري) الذي ينص على مكافحة الفقر كأساس للمعالجة الموضوعية للأزمات المالية العالمية، من خلال مساعدة الاقتصاديات الضعيفة على بناء نفسها وتخفيض معدلات الفقر في العالم لاحداث نوع من التوازن الجيوسياسي واقرار السلام العالمي القائم على تذويب الفوارق بين طبقات البشر، او ما اسماه الرئيس الفرنسي جاك شيراك آنذاك بـ(عولمة التضامن).
وعشية مؤتمر الدوحة المنعقد اليوم عادت اكثر قوة نداءات الاهتمام بالجوانب الانسانية في معالجة الأزمة المالية العالمية . ولطالما قدمت الدول الناشئة على مسرح الاقتصاد العالمي مثل السلطنة تجارب مهمة في مراعاة مبدأ التكافل الاجتماعي عند تطبيق اي برامج تنموية، وكان ينبغي أن تؤخذ هذه التجارب في الاعتبار خلال المؤتمرات العالمية ذات الصبغة الاقتصادية كمؤتمر ديفوس ومؤتمر مونتيري وغير ذلك من مؤتمرات شهدت دعوات للالتزام بالبعد الانساني في اي عملية اصلاح اقتصادي ، حيث إن اغفال حقوق الفقراء يعني أن يعاني العالم مزيدا من الفقر والجنوح نحو العنف والهجرة غير المشروعة والاتجار في الممنوعات إلى غير ذلك من آفات.
وبتكليف من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم يترأس معالي وزير الاقتصاد الوطني وفد السلطنة إلى مؤتمر الدوحة ليساهم مرة اخرى في مثل هذه المنتديات المهمة، ونأمل أن تكون تجربة السلطنة في الموازنة بين حاجات الاستثمار وحاجات برامج الخدمات الانسانية محل اعتبار هذه المرة بعد الازمة المالية الحادة التي اجتاحت العالم ودفعت الدول الكبرى مرة اخرى إلى التفتيش في أرواقها القديمة عن سبل للعدالة الانسانية لطالما تجاهلتها في سنين الرغد والصولات البنكية والرهون العقارية التي أوهنت الاقتصاد الاميركي ومن ثم العالمي. فهل يستوعبون الدرس هذه المرة في الدوحة؟.
