ليست هناك لحظات أصعب من اللحظات التي تتلقى فيها خبر وفاة إنسان كنت قد عرفته ولو من بعيد، خاصة حينما يختطفه الموت فجأة من بين الجميع الذين يتحينون لقاءه في أي وقت وفي اية مناسبة سانحة..
فما بالك إن كان ذلك الإنسان من أولئك الذين عرفتهم من قرب، وجمعتك بهم مواقف لايمكن أن تمحى. إنسان شهدت جزءا من طفولته التي عايشتها معه، وكبر أمام عينيك حتى رأيته شابا في مقتبل العمر يستعد لخوض غمار الحياة بحماس الشباب الذي كنت تسأل الله عزوجل أن يمتعه وأهله ووطنه به فيقطف الجميع ثماره.
أحمد سعيد الطاير كان احد طلاب مدرسة الاتحاد الخاصة الذين مازلنا نذكر ابتسامتهم تلك التي تكشف عن روح جميلة وطيبة قلما يكون لها مثيل. مازلنا نذكر شقاوته التي لاتخلو من براءة من هم في عمره. مازلنا نذكر العلاقة الحميمة التي ربطته بابن عمه حميد مطر الطاير على مقاعد الدراسة.
مرت السنون سريعا لترى هؤلاء الاطفال في زهوة شبابهم، يتصرفون ويتحدثون إليك موحين لك بأن السنين التي مضت على مقاعد الدراسة صنعت منهم رجالا.. إحدى المعلمات تتذكر المرحوم أحمد وهو يقدم بطاقات زواجه التي أثارت استغرابها لاسيما وهو مازال طالبا في سنته الجامعية الأولى، لكنه قطع استغرابها بقوله: لاتتصورين فرحة والدي بي وقد أصبحت في نظرهم رجلا، يريدون أن أتحمل المسؤولية وأنا لا أملك سوى أن أرضيهما، ففرحتهما عندي بالدنيا.
أما مديرة احد الأقسام التي التقت به يوم جاء يدعوها وزوجها لحفل زواجه فتقول لا أنسى عبارته عندما قال: أتمنى حضوركم زواجي، فقد أثرتم في حياتي، وتعلمت منكم الكثير الذي يجعلني أتمنى تواجدكم معي في هذه اللحظة من عمري.
مرت أيام قليلة على حفل زواجه الذي كان بعد شهر رمضان الماضي، ولم ينسه كثيرون خاصة وهو من الشباب الذين تزوجوا في عمر مبكرة في الوقت الذي يميل فيه معظم الشباب إلى التأخر في الزواج. أيام قليلة فصلت بين زواجه وبين مواراة جثمانه يوم الخميس بعد أن انتقل إلى رحمة الله تعالى اثر حادث سير أليم وقع على شارع الشيخ زايد، في يوم فرحت فيه الناس بأمطار غمرت دبي لتخلف وراءها أمطارا من الدموع التي بكت فقدانه وفجعت به.
لقد اختطفه الموت في هذا الحادث الذي ندرك كم من الألم والمرارة قد ترك في نفوس ذويه، فإذا كانت مدرسته قد فجعت به بأكملها، بالإداريين والمعلمين وكافة العاملين الذين مازالوا يذكرونه ولم ينسوه يوما، فما بالنا بذويه الذين نسأل الله عزو جل أن يلهمهم الصبر والسلوان على هذا المصاب الجلل الذي شعرنا به اقتلع شيئا من داخلنا.
فلا بد أن مشاعر والده ووالدته وزوجته تفوق الوصف واكبر من أن تسجلها حروف أو يتصورها بشر، فقلب الوالدين لا يفطرهما ولايؤلمهما شيئ أكثر من أذى يلحق بأبنائهم فكيف بفقدانهم. نتمنى أن تكون هذه الحوادث التي خطفت من بين أيدينا وأمام أعيننا أغلى الناس وأقربهم إلينا في لحظات بل ثوان، نتمنى أن تتيح للجميع التفكير والمراجعة لنرى كيف نتقي لحظات حزن نستعيذ الله منها.
لايسعنا في نهاية هذا المقال سوى التوجه إلى أسرة الفقيد أحمد سعيد الطاير بأحر التعازي، فقد عاش بيننا طالبا غاليا، وستظل ذكراه غالية في قلوب ترك فيها أثرا طيبا كسيرته التي خلف ذكراها بين أهله وذويه وأقاربه وأصدقائه الذين نسأل الله أن يرزقهم تحمل هذه المصيبة وهم صابرون محتسبون.
