أكثر من ربع قرن مضى على ترك كامل زهيري موقعه النقابي نقيباً للصحفيين المصريين ثم رئيساً لاتحاد الصحفيين العرب، ولكنه لم يصبح أبداً «النقيب السابق أو الأسبق» بل كان حتى رحيله النقيب الدائم الذي نرجع له كلما اشتدت الأزمات، ونجد عنده العون عند الشدة، ويظل بالنسبة لنا هو المدافع الدائم عن حرية الصحافة، المعبر دائماً عن ضميرها النقابي والوطني.

ومازلت حتى اليوم أتذكره وهو يقودنا قبل ثلاثين عاماً في واحدة من أشرس المعارك النقابية والوطنية، حين أطلق أنور السادات صيحته الشهيرة «الأبيض أبيض والأسود أسود.. ونقابة الصحفيين يجب أن تتحول إلى نادٍ».. وكان هذا تعبيراً عن غضب السادات العاتي إزاء موقف النقابة الحاسم من كامب ديفيد، ورفضها القاطع للتطبيع مع العدو الإسرائيلي.

اقتربت كثيراً من كامل زهيري في تلك الأيام الصعبة، التي انتهت بتراجع السادات عن حكاية تحويل النقابة إلى نادٍ، ولكن مع قرار بالسيطرة على النقابة بأي شكل من الأشكال.. وهكذا فوجئنا بعد شهور بكل أجهزة الدولة وقد تم تجنيدها لحسم معركة انتخابات الصحافيين.

وتم إسقاط كامل زهيري الذي كان قد فتح معركة أخرى ضد محاولة إسرائيل الحصول على جزء من مياه النيل، وبينما كان البعض يرقص ظناً منه أن نتيجة الانتخابات تعني فتح أبواب التطبيع، كنا نؤمن أنهم يجرون وراء الوهم، وأن الجماعة الصحفية المصرية لن تسمح أبداً بهذه الجريمة ولن تتخلي عن دورها الوطني والقومي، ولن تنجر إلى ما يريدونه لتطبيق تهديد السادات من الباب الخلفي، بتحويل النقابة إلى جمعية استهلاكية والابتعاد بها عن الهموم الحقيقية للمهنة والوطن.

وحتى اللحظات الأخيرة من عمره، ظل «النقيب» مخلصاً لما آمن به، لم يتأخر عن واجب ولم يتهرب من معركة رغم المصاعب الصحية التي داهمته في السنوات الأخيرة. وأتوقف هنا عن لقطتين.. الأولي وهو يتقدم صفوفنا في أول مظاهرة ينظمها الصحفيون دفاعاً عن حرية الصحافة وطلباً لإلغاء الحبس في قضايا النشر.

ولعدة ساعات ظل «النقيب» معنا تحت شمس يوليو الحارقة أمام مجلس الشعب رافضاً كل رجاء بأن يختصر فترة بقائه في هذه الظروف الصعبة مصمماً على أن يبقى حتى النهاية ليبلغ الرسالة ويضرب المثل ويعطي للجميع درساً في كيف تكون الحياة في أسمى معانيها نضالا لا يتوقف من اجل الحرية.

موقف آخر ربما لم يحظ بالتغطية الإعلامية الواجبة لأنه كان بعيداً عن الأضواء. عندما عرف بأن المجلس الأعلى للصحافة سوف يعقد جلسة هامة يتقرر فيها مصير ما طلبته ؟ باسم النقابة ؟

لزيادة مخصصات النقابة من حصيلة الإعلانات الصحفية التي لم تزد حصيلتها عن بضعة آلاف من الجنيهات ظلت ثابتة لأكثر من خمسة وثلاثين عاما منذ صدور قانون النقابة عام 1970. وأصر «النقيب»على الحضور مغالباً ظروفه الصحية، وفي الطريق إلى القاعة أحاط به «البعض» ممن ظلوا لسنوات يقاتلون بشراسة لمنع النقابة من الحصول على بعض مستحقاتها لتتمكن من أداء واجبها في رعاية الزملاء وأسرهم. واستمع «النقيب» لما طلبوه منه، ثم دخل الاجتماع ليلقي بكل ثقله مع مطالب النقابة وأرجو ان يتاح للجميع أن يقرأوا ما قاله دفاعاً عن حقوق النقابة وتدعيما لما طالبت به. وكم كانت سعادته ونحن نحقق خطوة على طريق استعادة هذه الحقوق الغائبة.

ويطول الحديث عن «النقيب».. ولكن ماذا عن «المثقف» و«الفنان» و»الكاتب» في كامل زهيري ؟ كلها وجوه رائعة لرجل عاش حياته مدافعاً عن الحريات، حاملاً هموم الوطن، مؤمناً أن مصر تبدع حين تخرج من النهر إلى البحر، فتنفتح على العالم.. تأخذ وتعطي، وتقود أمتها العربية نحو النهضة الحقيقية، بدلاً من الهروب إلى الماضي أو الانكفاء على الذات.

في زيارتي الأخيرة له كان ؟ كما عهدناه ؟ متوقد الذهن حاضر الذاكرة ورغم المرض الذي طال، والأحلام التي انكسرت، والواقع المؤلم الذي يداهمنا جميعاً.

إنه «المتفائل الدائم» كما كان يحب أن يصف نفسه، ولكنه أيضا «القارئ المحترف» الذي ينام على سريره في المستشفي بين أكوام الصحف وبتابع من فراش المرض آخر الأحداث وأحدث الكتب. . يقرأ ويتابع ويحلل.. ثم يطوي النفس على الألم العظيم لما آلت إليه أحوال الأمة، لكنه أبداً لا يفقد الأمل في النهوض مهما كان الطريق صعباً.

نقيبنا كامل زهيري.. يرحمك الله بقدر ما أعطيت للوطن الذي أحببته، وللحرية التي قاتلت من اجلها، وللكلمة التي آمنت بقدسيتها، ولأشرف المهن التي أفنيت عمرك مدافعاً عنها، مؤمناً أن صحافتنا تستحق أن تكون في الطليعة، وأنها قادرة على تحقيق ذلك لو كسرت القيود التي تكبلها.. كانت هذه هي معركتك وستظل هي معركة كل من يدرك أن الإصلاح السياسي الحقيقي لن يتحقق إلا بصحافة حرة وإبداع بلا قيود.

كاتب مصري

elsadattt@hotmail.com