من الملاحظ أن الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما قد أكثر من الوعود قبل توليه مهام عمله، وهذا شيء جديد في واشنطن وغريب في نفس الوقت، وكأنه مقبل على أرض ممهده وسهلة وما عليه فيه إلا أن يخطو، في حين أن من الواضح أن أوباما مقبل على أسوأ تركة ممكن أن يرثها رئيس أميركي عن سلفه.
ومن المستبعد أن «يخرج» الرئيس الأميركي الجديد باراك اوباما من العراق في المواعيد التي وعد بها، وستبقى الولايات المتحدة في وادي الرافدين على الأقل لفترة ثلاث سنوات أخرى، وبالتالي سيتعين على العراقيين الصبر على «احتلال التحالف» الذي سيزيد مصائب ومشاكل بلدهم، ولا يحلها على الإطلاق.
ومن الممكن قراءة كل هذا من حيث المبدأ، بين سطور «الاتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق» التي أقرتها بغداد تحت ضغوط شديدة من واشنطن بلغت حد التهديدات وتبدو البنود الأساسية لهذه الوثيقة رائعة، للوهلة الأولى. حيث يتعين على الولايات المتحدة:
1 ـ سحب كافة قواتها من المدن والمراكز السكانية العراقية صيف عام 2009، وسحب جميع قواتها من العراق في موعد لا يتعدى 31 ديسمبر عام 2011.
2 ـ يمارس العراق الولاية القضائية بحق الجنود الأميركان الذين يرتكبون جرائم خارج المنشآت والمساحات المتفق عليها وخارج الواجب.
3 ـ لا يحق للولايات المتحدة استخدام الأراضي العراقية ممرا أو منطلقا لهجمات ضد دول أخرى.
4 ـ لا تجري كافة العمليات ضد الإرهابيين واعتقال الأشخاص إلا بموافقة السلطات العراقية.
ومن المفروض أن تقر الاتفاقية بصورة نهائية بحلول شهر ديسمبر، وليس بمناسبة أعياد الميلاد. ففي 31 ديسمبر ينتهي تخويل الأمم المتحدة لقوات الاحتلال. وهنا تجدر الإشارة إلى أن مجلس الأمن الدولي أصدر القرار بهذا الشأن في مايو عام 2003، أي بعد شهرين من اجتياح الولايات المتحدة للعراق. وإن الأمم المتحدة مجرد أقرت صلاحيات قوات الاحتلال، لأنه بدونها لشاعت الفوضى في العراق فورا.
الاتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق تخرج الاحتلال الأميركي للعراق من ولاية الأمم المتحدة كليا، وتكسب الاحتلال والعدوان على العراق في عام 2003 في الغالب، صفة شرعية، باعتبار أن الاتفاقية وافق عليها الطرفان فأصبحت عقدا ملزما لهما معا لا شأن لأية جهة أخرى به. وعد باراك اوباما في خطاباته إبان الحملة الانتخابية، بسحب القوات على مراحل، وإنجاز ذلك صيف عام 2009. إلا أن سحب القوات التام أجل، وفق الاتفاقية، لأكثر من سنتين كاملتين.
ومن المفروض أن يفرح أوباما بقرارة نفسه بهذا، لأن كافة مستشاريه العسكريين يأخذون عليه تسرعه في المواعيد جدا. ومن الممكن الآن تحميل بوش مسؤولية أي تأخير.
وفيما يخص بند ولاية القضاء العراقي على الجنود الأميركيين، بالرغم من أنه يبدو عادلا، لكن المصيبة تكمن في أن جميع الجرائم، من قتل الآلاف من سكان العراق المسالمين، ونساء وأطفال، يرتكبها الأميركان أثناء تأدية الواجب العسكري بالذات ـ قصف حفلات الزواج والمسيرات السلمية التي يعلنونها تجمعات إرهابيين.
والأهم يكمن في أن الولايات المتحدة ستحافظ على تواجدها في العراق حتى بعد عام 2011. فسيبقى هناك خبراء عسكريون أميركيون لتدريب قوى الأمن والقوات المسلحة العراقية (لا يذكر العدد، ولكن الحديث يدور عن عدة آلاف). ومن الممكن، وفق شروط المعاهدة، تمديد تواجد القوات الأميركية، إذا طلب الجانب العراقي ذلك. ومن يضمن عدم طلب الجانب العراقي هذا؟
ومع ذلك أفظع شيء فيما يحدث، هو أن الأميركيين لدى اجتياحهم العراق، استبدلوا «بشكل موفق» السنة الحاكمين بالشيعة، ووفروا للأكراد لذة الحكم الذاتي، ويجلس العراق الآن، من حيث الجوهر، على قنبلة انفصال وحرب أهلية موقوتة كبيرة. وقد يؤدي انسحاب القوات الأميركية الفوري إلى سقوط الحكومة الحالية أوتوماتيكيا.
ولذلك فإن الكثير من الخبراء في شؤون المنطقة على حق عندما يقولون أنه لقد حان الوقت لواشنطن ليس فقط للبدء بسحب القوات، بل والبدء بحوار مباشر دون أي شروط، مع دمشق وطهران. فلا يمكن صيانة السلام في المنطقة، حيث يقع العراق، وحيث كل شيء مترابط ومتشابك، دون إشراك كافة جيرانه.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني