لا تعبر الحكمة العميقة المستمدة من رصيد تاريخي طويل عن نفسها إلا وسط محنة كبيرة ، وكم من المحن التي امتحنت قدرة الدولة الهندية على تأكيد هويتها الوطنية وقيمتها الحضارية في تحقيق ميزان العدالة الدولية وفي نفس الوقت الحفاظ على النهج الديمقراطي والتوازن الشديد بين شرائح المجتمع الهندي سعيا وراء مبدأ مهم وهو الابقاء على السلام الاجتماعي في شبه القارة الهندية ، وايضا الابقاء على مسيرة التنمية الشاملة التي تمضي فيها الهند بخطى واثقة لتخرج من صورة نمطية عنها كوطن للفقر إلى وطن قادر على الحفاظ على حقه وسط نادي الدولة الصناعية الكبرى ، وهو ما حققته الهند مؤخرا واستلفتت به نظر العالم لهذه القدرة العجيبة على صنع الغنى من قلب الفقر ، وصياغة اسباب القوة من أتون الضعف ورقة الحال.
ان تفجيرات مومباي امس الاول وامس والمأساة التي خلقتها العملية الارهابية المستنكرة على المدنيين الآمنين ، هي بكل وضوح محاولة لئيمة لحرف الهند عن طريقها المستقيم ، ودفعها إلى توتير العلاقات مع جيرانها دون أدلة واضحة ، وكان حديث رئيس الوزراء الهندي امس في معرض تعليقه على هذه الهجمات الارهابية ان الارهاب ليس له ديانة أو هوية وان بلاده ستدافع عن حق شعبها في الامان والبقاء وهذا واجب اي دولة متحضرة ، وقد لقي الهجوم الارهابي على مومباي سلسلة من الاستنكار الدولي والعربي نظرا للعلاقات الوثيقة التي تربط تلك الأول مع الهند ونظرا أيضا للعلاقات المتوازنة التي تقيمها الهند مع كافة أطراف المنظومة الدولية.
وسواء كان القتلة والإرهابيون الذين نفذوا عملية مومباي الأخيرة جاءوا من داخل الهند أو من خارجها فإن الحكمة الهندية والرشد السياسي والوعي بجدلية الحرب على الإرهاب ، ومحاولات توظيفها من جانب البعض لجني فائدة ضيقة ، كل ذلك كفيل بأن يخرج الهند من أزمة تفجيرات مومباي كما خرجت أكثر قوة ورشدا من كل المؤامرات السابقة التي استهدفت أمنها الوطني وسلامها الاجتماعي ومسيرتها التنموية.
وطبيعي أن يكون هذا الجسد الجيوسياسي والديموجرافي الكبير عرضة لمناوشات شتى ، لكنها افعال لا تنال من صلابة هذا الجسد ولا من رسالته السياسية اقليميا ودوليا ، بل هي تجارب مأساوية تزيد من قوة الهند ومن وضوح الرؤية لديها تجاه مسارها الصحيح وستظل الهند نموذجا للتعايش السلمي بين البشر بصرف النظر عن اللون والجنس والعقيدة ، وهي تدفع في سبيل هذا الدور ثمنا باهظا ، ولكن الثقة لدى السياسيين في الهند بنجاح الخطط وبلوغ الاهداف المرسومة سيصل بهذه الدولة الصديقة إلى بر الامان ، والدلائل على ذلك واضحة .
كما ان ادانة السلطنة وجامعة الدول العربية وعديد من الدول الاخرى للهجمات تدل على التزام هذه الدول بضرورة استمرار الضرب بيد من حديد على ايدي الارهاب اينما كان ، وعلى اي شكل يكون ، حتى يعم الوئام والسلام ربوع العالم اجمع ، ويكون الفضل لمن يبني ولا يهدم ، ويزرع ولا يخرب ، ويحترم الروح البشرية ولا يجنح إلى القتل والتدمير تحت أية ذريعة من الذرائع ، هكذا تقول الشرائع والدساتير والمواثيق الدولية التي يجب ان تكون لها الكلمة الطولى في وضع الحد الفارق بين الخطأ والصواب في العلاقات الانسانية .
