في حين أن الانقسام الوطني الفلسطيني هو ما راهنت إسرائيل وأميركا عليه وما تزال، وساهمت في صنعه وتواصل تكريسه وما تزال، بعد الاقتتال المؤسف بين حركة فتح وحركة حماس، والذي نتج عنه الفصل بين السلطة التي تسيطر على الضفة الغربية المحتلة وترى الحل في استمرار التفاوض، وبين الحكومة المقالة التي تسيطر على قطاع غزة المحاصر وترى الحل في استمرار المقاومة.

وفي ظل مفاوضات «عبثية» كما يصفها المقاومون، المستمرة بلا نتيجة إيجابية حسبما أعلن الرئيس عباس قبل يومين، وفي ظل تواصل إسرائيل في تهويد القدس والتهام المزيد من الأرض وبناء الجدار وبناء المزيد من المستعمرات ومواصلة الاعتداءات العسكرية، وارتكاب أبشع الجرائم ضد الإنسانية بالتجويع لتركيع الشعب الفلسطيني، بينما لا أفق مرئيا لاتفاق بين السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية مع الانتخابات الإسرائيلية المقبلة بنتائجها المتوقعة.

وفي ظل صواريخ «عبثية» كما يصفها المفاوضون، تنطلق من قطاع غزة باتجاه المستعمرات الصهيونية ردا على الاعتداءات الصهيونية، بما يعطي لإسرائيل ذريعة ـ كما يقولون ـ لإفشال المفاوضات، ومواصلة الاعتداءات العسكرية، وفرض الحصار وإغلاق المعابر ومنع وصول الغذاء والدواء والكهرباء، والتهديد بالعدوان الأوسع على غزة، في حين أنها لا تحتاج إلى ذرائع.

ومع مراهناتها على أن الانقسام سيجعل سلطة الضفة ضعيفة في المفاوضة، ويجعل حكومة غزة ضعيفة في المقاومة لفرض الاستسلام السياسي على المفاوض والانهزام العسكري على المقاوم الفلسطيني، وتلك مراهنة صحيحة بغير شك، إلا أنها فوجئت بالعكس، وذلك بقبول رئيس السلطة للتفاوض بلا نهاية وبلا نتيجة ولكن مع رفضه للاستسلام السياسي على مقاس السلام الإسرائيلي الأميركي بقوله «لن أتنازل عن شيء رفضه أبو عمار»..

كما فوجئت بأن اجتياح غزة مكلف واحتلالها المكلف هو الذي أجبر شارون على إعادة الانتشار خارجها، وأن العدوان عليها ليس مجانيا بل تتصدى له المقاومة وترد عليه بالصواريخ غير العبثية!

لذا لجأت إسرائيل حينها إلى التشكيك في شرعية الرئيس الفلسطيني محمود عباس لإبرام اتفاق، ونقلت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية عن الرئيس الإسرائيلي بيريز قوله «لا يوجد احتمال للتوصل إلى اتفاق بين إسرائيل والفلسطينيين» مبررا ذلك «بالانقسام بين حركتي فتح وحماس» في محاولة إسرائيلية مكشوفة للتهرب من استحقاقات العملية التفاوضية مع السلطة الفلسطينية!

وإزاء حرج الحكومة الراحلة والتي ترنحت بتداعيات إخفاقاتها في حرب يوليو على يد المقاومة الإسلامية اللبنانية وخشيتها من إخفاقات جديدة على يد المقاومة الإسلامية الفلسطينية، لم تجد أمامها إلا أحد خيارين، إما تحمل «الصواريخ العبثية» مع فرض الحصار على غزة وذلك غير محتمل للمستوطنين.

أو قبول التهدئة بوساطة مصرية بدون صواريخ مع فتح المعابر لتعميق الانقسام بين الفلسطينيين أكثر بما يتيح لها فرض الشروط على المقاومين والمفاوضين معا، لذا بدت التهدئة حاجة إسرائيلية تكتيكية تمهيدا للانقلاب عليها لاحقا مثلما بدا واضحا الآن، بقدر ما كانت حاجة إنسانية لا سياسية فلسطينية بسبب معاناة الحصار اللاإنساني المستمر ببشاعة إلى الآن.

لكن إسرائيل الآن ربما أرادت الحصول على الشيئين معا، التهدئة بوقف الصواريخ بل وقف المقاومة، ومواصلة العدوان بل وفرض الحصار أيضا بغير رد، وهذا مستحيل.. فهي التي خرقت التهدئة بالعدوان دون مبرر ولما ردت المقاومة ببضع «صواريخ عبثية» أعادت فرض الحصار وخاضت حرب التجويع في محاولة لتركيع الشعب الفلسطيني المقاوم وهذا ما لن يحدث.. وحذار من ثورة الجياع!

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com