حضرت حكومة الشيخ ناصر المحمد الصباح، رئيس وزراء الكويت جلسة مجلس الأمة المنعقدة يوم الثلاثاء الفائت لتنسحب منها سريعاً وتقدم استقالتها لأمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد، حفظه الله. أما حضورها للجلسة فقد كان بدافع تأجيل الاستجواب المقدم من ثلاثة نواب لرئيس الوزراء، والذي أثار لغطاً وخلق أزمة، ذلك الحضور الذي كانت على قناعة بأنه سيؤدي إلى فوزها بالتأجيل لامتلاكها الأغلبية.

غير أن «ترمومتر» الحياة السياسية في الكويت ومواقف نوابها يتغير بين الساعة واللحظة، مما أشعر الحكومة يوم انعقاد الجلسة بأنها لن تحصل على الأغلبية، ناهيك عن أن التأجيل يعني قبولاً بمبدأ استجواب رئيس الوزراء والتي ستكون ـ لو وقعت ـ السابقة الأولى في الحياة النيابية التي بدأت منذ العام 1962!!

وقد علل بيان الاستقالة، الذي أصدره مجلس الوزراء الأمر، إلى «التداعيات المترتبة على ما شهدته الساحة مؤخراً من مظاهر الفوضى والانحراف في الممارسة البرلمانية التي بلغت مرحلة مؤسفة من مراحل الإساءة للوضع العام والإضرار بالمصلحة الوطنية.

والتي كان آخرها الاستجواب المقدم لسمو رئيس مجلس الوزراء، الذي جسد خروج الممارسة البرلمانية عن الثوابت الدستورية والقانونية والأعراف المستقرة، بما أضحى معه السكوت عن هذا الانحراف تشجيعاً للفوضى ودعوة لإفساد المجتمع تحت شعار الديمقراطية بما يؤدي إليه ذلك من إثارة للفتن وضرب للوحدة الوطنية وإضراراً بمصلحة الوطن والمواطنين وعرقلة التنمية في البلاد».

وظاهر الأزمة الحالية قد ابتدأ قبل أسبوعين حينما حطت قدما رجل دين إيراني اسمه السيد محمد باقر الفالي أرض الكويت، مما اعتبره أحد النواب وهو الدكتور وليد الطبطبائي، وهو من تيار السلفية العلمية، خرقاً لحظر أمني قد فرض على هذا الشخص بسبب اتهامه بالتطاول على الصحابة، وأنه قد دخل البلاد انصياعاً من وزارة الداخلية لتوسط المتوسطين القريبين من منهج وفكر هذا الداعية.

وطلب هذا النائب بمغادرة السيد الفالي أرض الكويت فوراً وإلا سيقدم استجواباً لرئيس الوزراء!! وكان الاستغراب أن لا يقدم النائب الطبطبائي استجواباً بهذا الخصوص لوزير الداخلية وهو المعني مباشرة بالأمر. وقد بينت الحكومة على لسان وزير داخليتها بأن السيد محمد باقر الفالي لديه إقامة شرعية إلى العام 2011 وإنه سيغادر البلاد في غضون أيام قلائل!!

غير أن ذلك لم يشف غليل النائب وليد الطبطبائي، الذي انضم إليه نائبان آخران من التيار السلفي أحدهما يمثل «جماعة المحافظة على ثوابت الأمة» وهو النائب محمد المطيري.

أما باطن الأزمة فذهبت التأويلات في ذلك مذاهب شتى لعل أبرزها ما ورد في بيان الدكتور أحمد الخطيب (وهو من واضعي دستور البلاد في العام 1962 بعضويته في المجلس التأسيسي) الذي نشره في الصحافة الكويتية بعد أن زاد اللغط وأخذ البعض يطالب بحل المجلس حلاً غير دستوري وإيقاف العمل ببعض مواده، إذ حذر من الولوج في سكة الحل غير الدستوري لما يجلبه من تداعيات لا تحمد عقباها على الكويت، مبيناً أن ثمة توجهاً لإيقاف الحياة النيابية في الكويت لمدة سنتين.

فالمطلوب من الكويت دولياً أن تساهم باستثماراتها الضخمة في حل الأزمة المالية التي تمر بها الولايات المتحدة والدول الغربية عموماً، فضلاً عن الضغوطات التي تواجهها من أجل إلغاء ديونها على العراق، والأمران لا يمكن أن تحققهما الكويت في ظل مجلس أمة قوي ومتحفز. هذا إضافة إلى ترتيبات معينة في «بيت الحكم» سيجرى القيام بها في فترة الحل!!

والحق، أن الجميع في الكويت بات يدرك أن الأزمات المتتالية التي أخذت ترهق المواطن وتعكر صفو حياته أسبابها أعمق من تلك التي تطفو على السطح ويسمع عنها بين الفينة والأخرى، فبيان التحالف الديمقراطي قد أشار إلى أن الأزمة إنما هي صراع بين الأقطاب المتنفذة والذي أصبح ساحته مجلس الأمة وأدواته بعض نوابه!!

وما لم يوضع حد لهذا الصراع وذاك الاستقطاب فإن الأمور ستستمر في تأزمها، فلا مخرج إلا بتوافق بين الأطراف الفاعلة المختلفة!! فعدم القبول بالحلول الوسط، التي هي سمة كل ديمقراطية، والابتعاد عن الواقعية وهي أيضاً من أخص خصائص العمل السياسي، إنما يدلان على ذلك.

فقد طرح البعض العودة إلى دستور العام 1962 والذي يتضمن بين دفتيه علاجاً لحالات التشنج التي قد تمر بها الحياة النيابية، والتي تتعاطى مع شؤون عامة تختلف فيها الآراء والمصالح فيحتدم فيها الجدل والنقاش وربما تطور الأمر إلى أبعد من ذلك. وقد أشار البعض إلى المادة 106 من الدستور والتي تجيز للأمير تأجيل انعقاد مجلس الأمة لمدة شهر. ومبرر ذلك التأجيل تهدئة الأجواء بحيث يعود أعضاء المجلس بروح جديدة لدى استئناف جلساته.

إن الأزمة الحالية تبين حكمة أمير دولة الكويت ـ حفظه الله ـ ورغبته في المحافظة على الحياة النيابية، إذ أرجأ قبول استقالة وزارة ناصر المحمد ولم يبت في موضوع حل مجلس الأمة أملاً منه في إعطاء فسحة للجميع للتأمل والتفكير والتدبر.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com