سويسرا القابعة في قلب أوروبا العجوز تمثل «بوصلة» لها، كونها ـ تاريخيا ـ مكان توقيع صلح وستفاليا (1648) الذي أنهى صراعا أوروبيا مريرا بسبب علاقة الدين بالسياسة، وهي حديثا النموذج الأكثر حضورا في الأدبيات السياسية كنموذج للتعايش. هذه الدولة اختارت الحياد السياسي والتعددية في قارة مزقتها الصراعات المتتالية حتى الصراع الأخير الرهيب في البلقان، لتكون نموذجا للقدرة على تجاوز هذا الميراث متعايشة بأكثر من لغة وأكثر من انتماء مذهبي و ...
في هذه الدولة حالة توقف وتأمل ومراجعة لما يطرأ عليها من تغيرات، وإذا عدنا للتاريخ وجدنا أن الدين لعب دورا هاما في حياتها، وغالبا تمحورت الحروب المحلية حول مواجهات الكاثوليك والبروتستانت، وسويسرا الحديثة تأسست عام 1848 بعد آخر صراع من هذا النوع.
والتغير الذي يشغل السويسريين الآن هو بالأساس في المشهد الديني، وأهم ملامحه أن الكنائس تفقد المزيد من أتباعها. وهذا أبرز استنتاجات المعهد السويسري لعلم الاجتماع الرعوي في تقريره: «الكنيسة الكاثوليكية في سويسرا: أرقام، وقائع، وتطور»؛ ومعدو التقرير عادوا لعام 1970 لتوضيح بعض النقاط، عندما كانت أغلبية السكان كاثوليك أو إصلاحيين بروتستانت وهي نسبة أصبحت الآن دون النصف.
ويعتقد الباحثون أن سببين أديا لذلك: هجر المزيد من الناس للكنائس، والنسبة في بازل (التي شهدت المؤتمر الصهيوني العالمي الأول 1898) تجاوزت 50% للكنيستين خلال 30 عاما. ومن جهة أخرى، أصبحت غالبية الأجانب تنحدر من مناطق مسلمة أو أرثوذوكسية، بينما كانت تأتي من البلدان الكاثوليكية حتى الثمانينات. وبالتالي، فقدت الكنيستان وضعهما كمنفردتين بالمشهد الديني.
لكن الأرقام لها وجوه أخرى، فقد سجلت السنوات الثلاثون الماضية تراجع عدد أتباع أكبر طائفتين دينيتين في سويسرا من 95% (1970) صرحوا بأنهم كاثوليك أو بروتستانت، إلى 20% عام 2000.
وهذا التراجع ملأ فراغه الحضور المتزايد للإسلام وحضور أديان غير سماوية جاء معظمها من آسيا. ومن الظواهر الجديدة أيضا أن نسبة اللاّدينيين بلغت 11%، ومع تغير خريطة الانتماء الديني حدثت تغيرات في القيم تركت بصماتها الاجتماعية الواضحة، وأهمها تراجع الزواج والتعميد، حيث يصحب الابتعاد عن الكنيستين انخفاض التعميد والزواج الديني (تراجعت نسبة التعميد بنحو 30% داخل الكنيسة الإصلاحية خلال السنوات العشر الأخيرة). والقضية التي اعتبرها البحث «مشكلة حادة» هي افتقار الكنائس للقساوسة.
ومن التغيرات المهمة أن جنيف التي شهدت نشأة الإصلاح الديني البروتستنتي لم تعد ذات غالبية بروتستانتية، لكن هذا لا يمنع الكثيرين من ادعاء أن جنيف تظل في العمق «بروتستانتية الهوية». وعندما تفترق «الهوية» عن التركيب السكاني تبدأ المشكلات، لا فرق في ذلك بين مسيحيي الموصل أو أفارقة دارفور أو مسلمي البلقان أو فرانكفونيي كندا... الفرق عادة يكون في وتيرة الصراع ووسائله!
ولهذا فإن الأرقام يتم إخضاعها لنوع من التأويل لبناء «جسر» بين «الوقائع» و«القناعات». تقول إيزابيل غراسلي، مديرة المتحف الدولي للإصلاح الديني في جنيف: «حركة الإصلاح ما زالت تتمتع بتأثير بالغ في جنيف... وإذا أصغينا للإحصاءات، تعتبر جنيف مدينة عالمية ذات أقلية بروتستانتية، لكن الثقافة البروتستانتية لا تزال تتمتع بحضور قوي».
وتقول جوديث كونّومان من المعهد البابوي للدراسات الاجتماعية إن: «سويسرا، المعروفة تقليديا بأنها بروتستانتية، شهدت في الفترة الماضية تراجع الكنيسة الإصلاحية لصالح الكاثوليكية، ومثل هذا التطور بحد ذاته مفاجأة للكثيرين.. ويعتقد أن الهجرة خلال العقدين الماضيين أدت لزيادة أتباع المذهب الكاثوليكي، وهو ما أدى لتحوّل جنيف من كانتون بروتستانتي لمدينة ذات غالبية كاثوليكية»!!
وكما يحدث في حالات مماثلة يتم استدعاء معجم «الوطنية» لمعالجة مشكل «ديني»! لكن جنيف من ناحية أخرى تشهد زيادة ملفتة في عدد اللادينيين، فحوالي ربع السكان لا ينتمون لأي كنيسة، ورفض 15% منهم كشف هويتهم الدينية. وعندما يتعلق الأمر بنمو اللادينية في سويسرا، فان الأرقام تتحدث عن نفسها، فنسبة 10% من السويسريين يعتبرون أنفسهم دون أي انتماء ديني، ويرجح أنهم ثالث أكبر «مجموعة دينية» سويسرية (أكثر بقليل من 11%).
ومهم أيضا أن عدد من لم يحددوا هويتهم الدينية في الإحصاء الفدرالي الأخير بلغ 315000 بزيادة 3 أضعاف عن العقد الماضي. وحسب كتاب «رفيق كامبريدج للإلحاد» فإن حوالي ربع السكان «ملحدون، أو لا أدريون، أو غير مؤمنين بالإله». ومع تزايد أعداد الشباب الذين يبتعدون عن الدين ورحيل كبار السن المتدينين، وإذا استقر عدد السكان، فإن 20% سيكونون لادينيين عام 2010.
البروفيسور يورغ شتولز مدير مرصد الديانات في سويسرا، يستنتج من إحصاء 2000 أن المجتمع السويسري أصبح أكثر علمانية، وباستمرار تراجع التمثيل الديني القوي في البرلمان الفدرالي، إذ يشير شولتز إلى أنه خلافا لأميركا، لا توجد في سويسرا مجموعات ضغط مسيحية قوية بإمكانها التأثير على السياسة. وفي عبارة موحية جدا يقول: «لا يمكنني القول إن الإله قد مات، لأن الكثير من الناس ما زالوا يؤكدون أنهم يؤمنون به أو بقدرة أعلى، لكن مكانته تغيرت مقارنة مع فترة الخمسينات».
القضية إذن ـ قضية الدين والسياسة ـ ليست من ملفات الماضي كما يرى بعض المثقفين العرب، والاهتمام بها والاجتهاد بشأنها ليس «مرضا» عربيا، بل لا أبالغ إذا قلت إن الوصول إلى حل وسط تاريخي بشأنها، شرط لازم لتغيير العالم العربي نحو الأفضل!
كاتب مصري