جرت العادة أن تعنى هذه الصفحة أساساً بالشأن السياسي والاستراتيجي. وليعذرني إذن من يقرأ مقالي إذا انحرفت قليلا ـــ قليلا فقط ـــ هذه المرّة، إذ سيكون لحديثي طعم ثقافي ولكنه في عمقه أقرب إلى السياسة والاستراتيجية.
أصحاب القرار السياسي هم الذين يتحمّلون مسؤولية خلق الشروط الضرورية لمشاركة أوسع الشرائح الممكنة من الشعوب البعيدة، أو المستبعدة «عن سابق إصرار وتصميم»، عن الحياة الثقافية العامّة لبلدانها. لكن لا بد من القول مباشرة إن «شهية» الثقافة لا تأتي بقرارات ولا يمكن فرضها بمراسيم من أعلى، ولكن يتم بناؤها على المدى الطويل وبجهد كبير.
الشعوب متباينة الثقافات ومتباينة المستويات الثقافية. وفي كل الحالات ترتبط المعايير الثقافية بمدى الانفتاح على العالم وثقافاته المختلفة، وفي نفس الوقت بالسياسات الثقافية المحلّية، إذا وُجدت. الأميركيون مثلا يشار إليهم بالبنان على أنهم محدودو الثقافة، وهناك حكاية معروفة مفادها أنه طُلب من مجموعة كبيرة من الشباب الأميركيين رسم خارطة للعالم، فجاءت المحصّلة أنهم رسموا جميعهم خارطة مشوّشة الحدود للولايات المتحدة الأميركية على أنها العالم.
بالطبع ليس لدي النيّة أن أكتب عن الثقافة الأميركية، ولكن عن الثقافة في واقع عالمنا العربي، ودون الدخول في أي جدل «بيزنطي» حول التعريفات ورسم الحدود بين الثقافة والحضارة. الكل يؤكدون اليوم على المكانة المركزية للثقافة في رفعة شأن الأمم والشعوب. فماذا يقول الواقع الثقافي العربي؟
هناك عدد من المؤشرات ذات الدلالات البليغة على هذا الواقع. إن أديباً عربياً واحداً نال جائزة نوبل للآداب حتى الآن، هو الروائي نجيب محفوظ عام 1988. هذه الجائزة عمرها أكثر من قرن من الزمن.
ومؤشر بليغ آخر هو أن عدد النسخ المباعة في العالم العربي، بطوله وعرضه، من أعمال كبار الكتّاب العرب وشعرائهم لا يتجاوز بضعة آلاف قليلة. ولا يتردد البعض في أن يطلقوا على أي كتاب تصل مبيعاته إلى خمسة آلاف نسخة، أنه من الكتب «الأوسع انتشارا» في العالم العربي.
ومؤشر ثالث بليغ هو الآخر ويتمثل في افتقار المكتبة العربية ومنذ عقود، بل قرون، طويلة إلى أمهات الإنتاج الفكري والإبداعي العالمي، إلاّ ما قلّ وندر. والتقرير الذي أصدرته الأمم المتحدة قبل حوالي عامين عن الواقع البائس للترجمة وغيرها من مشارب الثقافة في العالم العربي، كان دامغاً.
هنا ينبثق بعض الضوء عبر العديد من المبادرات الوليدة في العالم العربي، وليس اقلّها شأنا مشاريع الترجمة وولوج طريق التعاون العلمي، وفتح النقاشات في وسائل الإعلام المختلفة حول المسائل الثقافية والمجتمعية الأكثر حساسية. وهنا بالتحديد تُطرح بقوة قضية السياسة الثقافية على المدى الطويل.
الجميع يتفقون اليوم على أهمية الترجمة. هذا ما يقال ويتردد في مختلف الندوات والمؤتمرات المكرّسة للمسائل المتعلقة بالترجمة، لكن هناك أسئلة جوهرية لا بدّ من طرحها. وعلى رأسها سؤال: ماذا نترجم؟ إنه سؤال جوهري في منظور المردود الثقافي الحقيقي.
ماذا نترجم؟ سؤال يستدعي سلسلة من الأسئلة التي ينبغي التروّي كثيرا قبل تقديم الإجابات الملزمة عليها. فهل ينبغي البدء بترجمة العلوم الإنسانية التي ساهمت في نهضة الحضارات السائدة اليوم والتي سادت في الأمس وكنّا منها؟ أم بالعلوم الدقيقة للتقليص من هامش غربتنا عنها؟ أم بالاقتصاد ونحن في عصر العولمة؟ أم بأمّهات الكتب في هذه الميادين كلها وغيرها، على مبدأ (من كل بستان زهرة)*أم بالميادين التخصصية؟ أم..
وأسئلة أخرى عديدة تتطلّب التأمل فيها بعناية ومسؤولية فائقتين، تفاديا للوقوع في فخّ الانتقائية والحسابات الضيّقة التجارية وغيرها؛ وأيضا على ضوء الجدوى والمساهمة في النهوض الثقافي الحقيقي. أي تحديد الهدف أوّلا، ثمّ الانطلاق في سياسة ثقافية واضحة المرامي.
ثمّ إن الترجمة فن، والمترجمون مبدعون أيضا. إن الترجمات التي قام بها الشاعر شارل بودلير لقصائد الشاعر آلان ادغار بو، لم تكن أقل جمالا من القصائد نفسها، كما أكّد عدد كبير من النقّاد والقارئين. وفي هذا السياق يستحق الذكر ويتوجّب الانحناء أمام ما قدّمه الدكتور سامي الدروبي من ترجمات لأعمال الأديب الروسي دوستويفسكي. والإشارة بالمقابل إلى أن بعض الترجمات الرديئة ـ ليست قليلة ـ تحتاج هي نفسها إلى ترجمة.
السياسة الثقافية ضرورة حيوية في عالم أصبحت المعلومات تنتقل فيه كلمح البصر بـ «كبسة زر». وتزداد ضرورة المعرفة أمام الخطر الذي تمثله ثقافة «التسلية» الهجينة والهابطة أحيانا. الثقافة ليست رفاهية، كما يقال ويُكرر.
ويكتسي هنا الدور الذي يلعبه التلفزيون أهمية استثنائية، ذلك أنه «المجال الثقافي» الذي يصوغ اليوم «ثقافة» البشر أكثر من أية وسيلة أخرى. وعدم الانتباه الجدّي بما يقدّمه يعني ببساطة المساهمة في نشر ثقافة «التسلية».
المسألة لا تتعلق بردود أفعال، ولكن بوجود إرادة مصممة على الانتماء إلى العصر الذي تنفتح أبوابه على آفاق جديدة. إن أسئلة جوهرية تطرح نفسها علينا، وليس أقلّها إثارة معرفة لماذا لم يحصل العرب حتى اليوم سوى على جائزة نوبل واحدة في الأدب، بينما حصل الأميركيون «رغم قلّة ثقافتهم» على عشر جوائز في هذا الميدان الأدبي وحده؟ بالتأكيد ليس التحيّز وحده، إذا كان موجودا، هو السبب.
عدو الثقافة الأكبر كان، ولا يزال، هو التزمّت الإيديولوجي الذي يريد توظيفها وتأطيرها بعيدا عن أي فعل وتفاعل فكري، على أساس أنها قد تبدو كنشاط تمرّدي يحمل في عمقه إرادة مهددة بالتغيير.
المهم أن لا تتوقف الدينامية الجديدة في الانفتاح على العالم وسط الدرب لأي سبب كان، وأن تتمكن الإرادات الطموحة من التأسيس لسياسات ثقافية تقوم على أساس الحوار مع الذات ومع الآخر.
هذا كلام يقال ويُكرر بأشكال كثيرة، ولكنه لم يفقد أبدا قيمته ومصداقيته. إن مسيرات التقدم التاريخي التي عرفتها حضارات العالم الكبرى مرّت من هنا، فعبر بوّابة الثقافة وتطوير المعرفة يمكن مكافحة التزمّت الذي يكبح المجتمعات ويمنعها من مواكبة العصر.
لا شكّ أن النمو الاقتصادي يشكّل أحد معايير التطور الذي حققته بلدان العالم، لكنه ليس المعيار الوحيد. فهل نتجرأ ونأمل أن يكون ما نراه أمامنا اليوم من ملامح يقظة معرفية جديدة، هو بداية الخروج من ثبات ثقافي مستمر منذ سقوط غرناطة قبل سبعة قرون تقريباً؟!
الرهان حقيقي، فهذا سيكون له دور في تحديد موقعنا في العالم، ليس ثقافيا فحسب، ولكن أيضا، وأساسا، سياسيا واستراتيجيا.
