الكثير من العرب والمسلمين بل ومن أبناء العالم الثالث يعشقون أميركا في إنجازها الحضاري والكثير من دعاتنا الذين «يلعنونها» صباح مساء ومن على المنابر وعلى صفحات الجرائد وفي الفضائيات العربية الكثيرة، هم أول من يرسل أبناءه إليها للتعلم، فهي في نظرنا تبقى الدولة الأكثر تطورا من الناحية الحضارية والتقنية. ونبقى، رغم نعتنا لها بأشد الأوصاف والنعوت نفاخر بتخرجنا أو تخرج أبنائنا من جامعاتها العتيدة.

ومع نهاية الأسبوع الماضي أصدر مجلس الاستخبارات القومي الأميركي تقريره الاستراتيجي حول «الاتجاهات العالمية 2025».

ورغم أن التقرير قد حمل الكثير من القضايا المتعلقة بالاقتصاد والبيئة والمناخ والغذاء والطاقة والأمن بالإضافة للوضع السياسي الدولي، عن أوضاع أقاليم العالم المختلفة، تحدث التقرير بنظرة سوداوية بعض الشيء عن الديمقراطيات الناشئة في العالم في ظل خروج المحافظين الجدد من مركز القرار ومن الإدارة الأميركية، وهو خروج قد لا يعيدهم إليها فهم في بعض ملامحهم أقرب إلى ما أسماه البعض «بالمكارثيين الجدد».

وقد أجمل هذا التقرير بنبوءة أفول الولايات المتحدة الأميركية بعد عقدين من الزمان. وذهبت جل وسائط الإعلام العربية المختلفة والكثير من كتابها ومحلليها نحو أمنيتهم المعلنة أو المستترة في أن يروا أفولاً أميركياً سريعاً، خصوصاً أن في هذه المرة تقريراً رسمياً أميركياً يعلن كما تقول جريدة الغارديان البريطانية بأن «شمس الهيمنة الأميركية تغيب عام 2025»؟

ورغم أن التقرير قد حمل بعض التوقعات بروز قوى جديدة على الساحة الدولية كالهند والصين والبرازيل وإيران وتركيا واندونيسيا، وهي قوى قد دخلت الولايات المتحدة الأميركية معها في صراع معلن أو مستتر اقتصاديا أو سياسيا أو كليهما.

ورغم أن بعض هذه الدول حليفة وقريبة من الولايات المتحدة الأميركية كتركيا والبرازيل واندونيسيا، إلا أن بعضها الآخر لم يكن كذلك حتى فترة قريبة كالهند أو أن بعضها مازال مدرجا في قائمة الأشرار كإيران. وقد غاب عن هذه القائمة أي من الدول العربية فإنجازاتها على الصُعد الاقتصادية والسياسية والمعرفية لا تؤهلها لأن تلعب الدور المؤثر حتى بعد عقدين من الزمن في القرار الدولي.

والتقرير الذي احتفل البعض بصدوره قد حمل الكثير من النبوءات وهي نبوءات مبنية في بعضها على مشاهد آنية. وهي مشاهد ترسم صورتها قتامة أو نصاعة المشهد الآني.

وهي في هذا قد لا تحمل الصدق المطلق، ومصداقيتها في بعضها قد لا تزيد كثيرا عن نبوءة المنجمين وإن صدقت أقوالهم. ويقترب بعضها رغم علميته من تلك النبوءات التي نسمعها مع بداية كل عام جديد والتي يدخل بعضها فيما نسميه «بضربة حظ»..

وهي نبوءات قد ملأت منطقتنا العربية وقال بها الصغار كما الكبار: فمن هلال شيعي إلى دولة قاعدية إلى إعادة تقسيم المنطقة العربية في اطار نزعات طوائفه وجماعاته وقبائله الممتدة من شرقه وغربه، فما تتفتق به بعض العقول الغربية بات «يقينيا» لا يقبل الرد.

ومع ذلك فإن التقرير رغم سوداويته بالمقارنة بتقرير عام 2004 فيما يخص القوة الأميركية إلا أنه لا يخرجها بتاتا من المشهد العالمي وإن كان قد أدخل معها فاعلين آخرين كالهند والصين والتي تحدثت عن صعود أدائهما الاقتصادي والسياسي والمعرفي خلال المرحلة القليلة الماضية الكثير من الدراسات، رغم تباطؤ نموهما مؤخرا بفعل الأزمة المالية العالمية.

والحديث عن أفول القوة الأميركية قد تحدثت عنه الدراسات الأميركية قبل أكثر من عقد من الزمان وهو حديث قد تزامن مع سقوط الاتحاد السوفييتي مع مطلع تسعينيات القرن الماضي.

فقد تحدث عنه المؤرخ الأميركي المعروف «بول كنيدي» في كتابه الموسوم «بصعود وسقوط القوى العظمى»، وهو سقوط حتمي تحكمه قوانين الصعود والهبوط للقوى والأمم والحضارات. ورغم أن هذا الأفول قد نسبه البعض للإخفاقات العسكرية الأميركية في العراق وأفغانستان وإخفاقاتها السياسية في شرق آسيا والشرق الأوسط وفي التعامل مع إيران وفي الأزمة الجورجية ـ الروسية وفي الأزمة المالية الكبرى التي يمر بها العالم بفعل أزمة الائتمان فيها.

وما رأيناه أن هو إلا بعض من بعض مصاحبات الأزمة وليس الأزمة ذاتها. فأفول الأمم إن هو إلا مأزق هيكلي في علاقة الدولة بالداخل والخارج، ومجيء الرئيس المرتقب أوباما هي محاولة لتصويب العلاقة مع الداخل الذي ينتظر الكثير من العمل، أما علاقة الخارج فإنها بحاجة لعمل جذري من التصويب لم تبدأ أميركا العمل به بعد.

فالرعونة التي تعاملت معها الإدارة الأميركية الراحلة ليس فحسب نحو أعدائها ممن تضعهم في «محور الشر»، وإنما مع أصدقائها المقربين من التقليديين والجدد قد أضعفت من التفاف الدول حولها. وبدت الإدارة الأميركية معزولة عن أصدقائها وفي صدام دائم مع أعدائها ومفتقرة لأي قدر من الواقعية السياسية التي عرفت بها الإدارات الأميركية السابقة من جمهورية وديمقراطية.

وفي الختام فإن القول بسرعة السقوط هذه رغم كونها أمنية عند البعض قد لا تقاربها حقيقة أن الولايات المتحدة الأميركية قد دخلت في حروب كثيرة في كوريا وفيتنام واكتوى بآثارهما الاقتصاد والسياسة الأميركية، إلا أنها آثار قد استطاعت مع ذلك الخروج منها بقدر ليس ببسيط من القوة.

وقد لا تقارب الأزمة الحالية السابقة من حيث الحجم والطبيعة، وقد تؤثر في القدرة على الانفراد في اتخاذ القرار والقوة الضغطية التي تمتعت بها خلال العقدين الماضيين، إلا أنها لن تختفي عن المشهد السياسي والاقتصادي الدولي.

فالقوة الاقتصادية التي تتمتع بها الولايات المتحدة الأميركية رغم جدية أزمتها المالية الحالية بالإضافة لقوتها العسكرية والمعرفية ستعطيانها استمرارية في القدرة على لعب أدوار مؤثرة على الصعيد الدولي، إلا أنها أدوار مرهونة في حجمها وسطوتها بسرعة بروز القوة الصينية-الهندية من ناحية وفي قدرة الأوروبيين في الاستمرار كقوة اقتصادية وسياسية مؤثرة في الولايات المتحدة الأميركية والعالم، وفي بروز قوى جديدة من العالم الثالث قد حددها التقرير في اندونيسيا وتركيا وإيران والبرازيل.

إن الأمم والدول والمجتمعات كما الأفراد قد تمتد دورة حياة بعضهم طويلاً إلا أنهم دون شك لن يبقون متربعين على كرسي القوة والسطوة حتى تقوم الساعة.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com