في مقال سابق تكلمنا عن الحاجة إلى تحرك منظمات وجمعيات المجتمع المدني لوضع حد لفوضى الإعلام الفضائي العربي وما تمارسه غالبية الفضائيات العربية من الاتجار بالقيم والأخلاق والمبادئ واختراق حرية الصحافة والاستخفاف بعقول المشاهدين من أجل الكسب السهل والسريع.

ما يُلاحظ عن هذا النوع من الفضائيات التي اخترقت القيم والمعايير وأصبحت تتاجر بالأحاسيس والعواطف والغرائز من خلال الشعوذة والرقص والأغاني الهابطة والرسائل القصيرة وبرامج صراع الديكة و«الغزل على المباشر» وغير ذلك هو البحث عن الربح مهما كانت الوسائل والطرق وحتى لو كان الربح على حساب القيم والأخلاق والمبادئ. فوقت الإعلانات أصبح يعادل وقت المادة الإعلامية وفي بعض الأحيان يفوقه.

فعلى سبيل المثال نلاحظ أن وقت حلقة مسلسل معين هي نصف ساعة، لكن مشاهدتها تستغرق ساعة بالتمام والكمال.

أما عن ما يبث من إعلانات وعن الصور والمشاهد والقيم التي تحملها تلك الإعلانات فحدث ولا حرج. فمعظم الإعلانات التي تبث في الفضائيات العربية هي إعلانات لشركات متعددة الجنسيات تروج لسلع استهلاكية بطرق وتقنيات غربية ولجهور غربي له قيمه وعاداته الاستهلاكية ونمط حياته...الخ وهي أمور وأشياء تختلف في الشكل والمضمون عما هو موجود ومعمول به في الشرق، كما أنها تحمل قيما نابعة من المجتمعات الأوروبية والأميركية.

حيث ان هذه الإعلانات صُممت وأُنتجت في الغرب لمستهلكين غربيين. وهنا نلاحظ التناقض الكبير، حيث ان هذا النوع من الفضائيات يشارك ويساهم بطريقة منظمة ومنهجية في نشر قيم استهلاكية وعادات وتقاليد تتنافى وتتناقض جملة وتفصيلا مع المجتمع المحلي والوطن العربي.

كما انتشرت بعض البرامج المقلدة في الشكل والمضمون والديكور والمحتوى في بعض الفضائيات، وهي في حقيقة الأمر صورة طبق الأصل لبرامج في قنوات غربية. مثل هذه البرامج تناست وتجاهلت أنها في مجتمع عربي إسلامي له حرماته ومقدساته وقيمه وعاداته وأخلاقه.

فبعض هذه البرامج لم يجد من المشكلات والقضايا المجتمعية سوى الأمور الشاذة والاستثنائية والتي تخرج عن القاعدة وتتسم بالإثارة والغرابة والهدف من ورائها هو جلب القبول عليها وفضول الشباب والمراهقين.

وكأن الشغل الشاغل للمجتمع ينحصر في تلك المشكلات فقط. فأصبحنا نشاهد على الهواء ومباشرة خدش حياء وشتما وتجنيا وافتراء وكأن هذه السلوكيات والتصرفات أمور عادية وطبيعية ومسّلم بها في المجتمع.

فأي إعلام هذا؟ وما هي الإضافات التي يقدمها للمجتمع؟ وأين هو دوره في التنشئة الاجتماعية وغرس القيم والمبادئ وتقديم المعارف والعلوم والثقافة العامة للمشاهد. والأخطر من هذا أن بعض الفضائيات طرحت بعض المشكلات والقضايا وكأنها هي الهم الوحيد والمشكل الأوحد في المجتمع بأسره وأنها الشغل الشاغل الذي يعني العام والخاص في المجتمع.

والبعض من هذه البرامج، مع الأسف الشديد، يركز على بعض القضايا التي يتغنى بها الغرب كحقوق الإنسان والديمقراطية وحقوق الأقليات والتسامح الديني وحرية المرأة ومعاملتها والمساواة بين الجنسين وغيرها من القضايا التي يستعملها الغرب للتدخل السافر في شؤون الآخرين.

الإشكال المطروح في هذا المقام هو، أن في الوقت الذي ينتظر فيه المشاهد مادة هادفة وجادة، لمواجهة حملات التشويه والتضليل والتلاعب في حق العرب والمسلمين والدين الإسلامي وتفنيد الأساطير والأكاذيب، نلاحظ أن «الفضائيات الصفراء» ترّوج لقيم دخيلة على المجتمع وتذوب وتنجرف في تيار التبعية والانسلاخ وتنشر أفكارا وسلوكيات تساهم في اغتراب المشاهد العربي وضياعه في فضاء لا علاقة له به وبذلك انسلاخه من أصوله وجذوره. وفي كل هذا نتساءل أين هي جمعيات المجتمع المدني؟

وأين هي المؤسسات التي من واجبها مراقبة ما يقدم لأفراد المجتمع عبر الفضائيات؟ أين هي مواثيق الشرف؟ وأين هي النقابات الصحافية؟ أين هو المجتمع المدني؟

أين هي جمعيات حماية الطفل وحماية المستهلك؟ الجميع يبكي على الأطلال والوضع على حاله منذ أكثر من عقدين من الزمن. والأخطر أننا من حين لآخر نسمع عن إطلاق فضائية عربية جديدة تضاف إلى قائمة فضائيات الغناء والرقص والرسائل القصيرة والشعوذة وتلفزيون الواقع...الخ.

فإذا أصبحت الفضائيات تعامل وكأنها آلات تبيض ذهبا من خلال توفير مساحات للإعلانات ولثقافة الاستهلاك والتسطيح والتهميش والذوبان في الآخر، فهذا يعني أننا نساهم في تسميم عقول أبنائنا وفلذات أكبادنا ونحن مسرورون ونتفاخر بأننا كسبنا معركة الإعلام الفضائي وأصبحت لدينا المئات من القنوات كغيرنا من الأمم والشعوب وكأن التفوق الإعلامي أصبح يقاس بالكم والعدد وليس بالكيف والنوعية.

فإذا خرج الإعلام الفضائي من سلطة الحكومات وطغيان الرقيب فإنه، مع الأسف الشديد، سقط في يد تجار لا علاقة لهم بالإعلام ولا بالثقافة ولا بالعلم ولا بقيم المجتمع ومبادئه وأخلاقه.

وبالنسبة لهؤلاء التجار فلا يوجد هناك فرق بين قناة فضائية ومصنع مواد غذائية أو قطع غيار السيارات. فالهدف في نهاية المطاف هو الربح، لا غير، أما الرسالة والمحتوى وماذا تقدمه القناة الفضائية فهذا شيء ثانوي لا يعني الكثير ما دام هناك مراهقون وشباب ومشاهدون يكونون أرقاما تفتح شهية المعلنين. وهكذا نلاحظ مؤسسات محورية ومهمة في المجتمع تصول وتجول في الفضاء الإعلامي والثقافي وفي مجال صناعة الفكر والثقافة والرأي العام والذاكرة الجماعية بدون ضمير مهني وبدون أخلاق ولا وازع ديني ولا ولاء وانتماء وطني وثقافي وحضاري.

فـ «الفضائيات الصفراء» أصبحت لا تختلف كثيرا عن العصابات التي تروج وتسوق وتنشر المخدرات في أوساط الشباب. وقد قال أحدهم أن إذا أخطأ الطبيب فإنه يتسبب في إزاء مريض واحد، أما إذا أخطأ الصحافي فإنه يسمم عقول مئات الآلاف.

فمتى نحتكم إلى العقل والضمير والمنطق لنضع حدا لانتشار التلوث الإعلامي والثقافي في الوطن العربي؟ أين هو المجتمع المدني؟ وأين هم الغيورون على قيم المجتمع وأخلاقه وعلى شباب الأمة، الرأسمال الحقيقي، لأي بلد؟

منتدى الدوحة أوصى بضرورة العمل والتحرك من أجل وضع حد للاستخفاف بعقول الشباب وهتك شرف الحرية الإعلامية واختراق النسيج القيمي والأخلاقي للمجتمعات العربية. كفى البكاء على الأطلال وحان وقت العمل والفعل من أجل استدراك الوقت وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.

عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae