عندما نتحدث عن التنمية الشاملة بخصائصها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية تبرز، كأساس، التنمية البشرية لأنها الارتقاء التام في أي نهضة كانت، إذ لا تبرز شخصية الفرد والمجتمع إلا من خلال ثقافة مميزة، ووعي متكامل..

والأولى، ونعني بها الثقافة، هي التي تهيئ الإنسان إلى تحويل معارفه وصياغاته الفكرية ومخاطباته، إلى مفاهيم متنوعة وواضحة، ويقترن معها الوعي الذي يعتبر شرطاً لقياس رقي المجتمع وانتظامه في سلوك العمل وتنفيذ الأنظمة واحترامها، وحتى داخل الأسرة الصغيرة والكبيرة يأتي توازن الشخصية الواعية بالتصرف اللائق واللبق..

في عموم الوطن العربي تعتبر الثقافة والوعي متدنيين إلى حدود العالم الرابع، إن وجد، وهو أمر مؤلم أن وسائل النشر للكتاب والدوريات والمجلات الاختصاصية لا تصل في مجموعها ما تنتجه كوريا الجنوبية، وإذا ما أخذنا الترجمة التي هي حلقة الوصل بين التقدم العلمي، والثقافي، نجد أننا في قاع المجتمعات مع الدول الأفريقية وبعض دول أميركا الجنوبية، إذ أن القارئ صارت تحكمه ظروف اقتصادية حادة في ثبات دخله وتزايد الأسعار.

وكذلك عدم اهتمام الدول بتعميم الكتاب وفتح المكتبات التي تبدأ بالطفل والشاب، ثم بقية المواطنين، ولا نعرف لماذا لا نهتم بدعم وسائل النشر والمؤلفين، وأصحاب المواهب في المسرح والرسم والتمثيل، وإدخالها في مشروع الميزانية العامة كضرورات وليست مجرد تكملة ثقافية، أو تركها خياراً خاصاً، بينما نواتج الثقافة تعتبر أحد عوامل الحصانة الذاتية من الجريمة والإرهاب، والاحتفاظ ببعض التقاليد المتوارثة التي عفا عليها الزمن، ومضاعفات التربية العامة من المدرسة أو الأسرة..

المؤلم الأكبر أن الحكومات والسلطات جعلت المثقف هوالطرف المعارض والخطير على الاستقرار الوطني، وبالتالي ضعفت الحريات وتدنت حتى إن الحكومات العسكرية التي اتخذت من الثورية شعاراً هي من قدمت المثقفين والمفكرين إلى موائد الموت على اعتبار أن معارضتهم هي اعتداء مباشر على القوانين والدساتير في الوقت الذي ندرك أن القواعد الفكرية والفلسفية التي نشأت في مرحلة نهضة أي أمة، إنما قامت على تلك الفئات باعتبارها طليعة المجتمع وثروته..

قد تكون هناك استثناءات من بعض مفكرين خالفوا حقوقهم الوطنية وفضلوا انتماءات لا تلتقي مع فكر وسلوك المجتمع، لكنهم قلة قياساً للأكثرية وهنا نعود إلى موضوع التنمية البشرية بأن ترقى الثقافة والوعي في المجتمع حتى نصل من خلال تأهيل الوطن بشرائحه المختلفة إلى قيمة حصيلتها حضارية متكاملة..