بعد خمس سنوات من الغزو الأميركي للعراق وإسقاط نظام الرئيس صدام حسين،هاهي الحكومة العراقية توقع على «الاتفاقية الأمنية» الأميركية ؟ العراقية الأحد 16 نوفمبر الجاري. وبموجب هذه الاتفاقية، فإن الجنود الأميركيين الذين يحتلون العراق منذ 20 مارس 2003، سيترتب عليهم الرحيل قبل 31 ديسمبر 2011.
الاتفاقية التي تتضمن 31 بندا تنظم الشروط القانونية والعملياتية التي تشرعن بقاء القوات الأميركية البالغ عددها 146000جندي لمدة ثلاث سنوات إضافية، تتطلب أن يصادق عليها البرلمان العراقي المتكون من 275 نائبا.و كان مجلس النواب العراقي، أنهى يوم الخميس الماضي القراءة الثانية لمسودة «المعاهدة الإستراتيجية» بين بغداد وواشنطن، وسط جدل صاخب، ولاسيما من جانب القوى السياسية العراقية التي تعارض الاتفاقية.
فقد أبدت الكتلة الصدرية المعارضة وعلى لسان ممثلها في البرلمان نصار الربيعي تأييدها لانسحاب كامل للقوات الأميركية من دون شروط تفرض على العراق،بينما ربط رئيس مجلس النواب العراقي محمود المشهداني، رئيس جبهة التوافق(السنية) بين الموافقة على الاتفاقية وبين موافقة رئيس الوزراء نوري المالكي على قائمة شروط حددتها الجبهة.
ومنها: «إطلاق المعتقلين من أبناء المكون السني خلال وقت قصير،و إعادة التوازن للعملية السياسية في العراق، وضرورة إيجاد مشاركة حقيقية له في عمل الحكومة العراقية، وتحويلها إلى حكومة وزراء وليس حكومة مستشارين».
في مسألة التوقيع على المعاهدة، ليس أمام الحكومة العراقية سوى أمرين، الأول:عدم المصادقة على المعاهدة، وهذا يعني إبقاء العراق تحت مظلة الفصل السابع للأمم المتحدة، أي في خانة الدول التي تهدد الأمن والسلم العالميين(ولأنه يهدد هذا السلم يحتاج إلى ولاية منحها مجلس الأمن للولايات المتحدة الأميركية). الثاني: التصديق على المعاهدة، وهذا يعني قبول الانتداب الأميركي على العراق لمدة ثلاث سنوات أي حتى عام 2011 قابلة للتمديد.
الحكومة العراقية التي تعتبر أن التصديق على المعاهدة من قبل مجلس النواب لن يكون مشكلة من جراء سيطرة الائتلاف الحاكم على ثلثي البرلمان، تبرر هذا التوقيع الذي يجعل الوجود العسكري الأميركي احتلالاً شرعياً بتفويض عراقي، من أجل إخراج العراق من مظلة الفصل السابع، وبالتالي تحرير أمواله المجمدة في المصارف الأميركية،(والتي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات) بقرار من مجلس الأمن للأمم المتحدة.
وفي معرض دفاعه عن التوقيع على المعاهدة، أكد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أمام الداخل والخارج، أنها لا تتضمن ملاحق سرية، بل إنها تشكل «بداية متينة لاستعادة العراق كامل سيادته»، وطمأن دول الجوار إلى أن بلادة لن تكون منطلقا لشن هجمات عليها.
استعادة السيادة العراقية الكاملة، مرهون بالانسحاب الكامل للقوات الأميركية من العراق.غير أن هذا الانسحاب لا يزال ينظر إليه كل طرف من زاويته الخاصة. فهناك من ينظر في داخل الولايات المتحدة الأميركية على أن إصرار الرئيس المنتخب باراك أوباما بسحب الجيش الأميركي من العراق خلال ستة عشرة شهرا ليس أنه مسألة طوباوبة فحسب، بل إنه سيكون خطأ سيترجم لاحقا إلى هزيمة إستراتيجية للولايات المتحدة.
لا يوجد أي مسؤول سياسي في بغداد يتمنى الانسحاب السريع للجيش الأميركي من العراق،بدءا من وزيري الداخلية والدفاع وقيادات القوات العراقية، الذين يؤكدون أن الحاجات اللوجستية والتكوينية لتكوين الجيش العراقي (700000 رجل) تظل مهمة «للسنوات المقبلة». ثم إن الانسحاب السريع قبل أن يتكون جيش قوي وعملياتي في العراق، يعني تسليم البلاد للتأثير الإيراني،والسماح لعودة مظفرة لتنظيم القاعدة.
كما أن الانسحاب السريع سيضعف وضع أميركا في منطقة الخليج العربي،في الوقت الذي تواصل فيه إيران تطبيق سياسة الأمر الواقع في مجال برنامجها النووي، وفي توسيع وتعزيز رقعة تأثير مجالها الاستراتيجي كقوة إقليمية تمتد من بحر قزوين إلى البحر المتوسط، شاملة عراق ما بعد صدام حسين، وسورية، ولبنان، الذي يسيطر عليه حزب الله، وحركة حماس في فلسطين.
التوقيع على المعاهدة يعني انتقال العراق من حالة الحرب إلى حالة التعاون العسكري.
كاتب تونس