التطبيق الجدي لقرارات الأمم المتحدة على مدى ستين عاما بشأن القضية الفلسطينية والتي تمثل الشرعية الدولية، بالإضافة إلى مبدأ مؤتمرمدريد «الأرض مقابل السلام» كفيلة بإيجاد حل للصراع العربي الإسرائيلي رغم أنها لا تلبي كل الحقوق الشرعية الفلسطينية ولا كل المطالب العربية.. لكن أميركا وأوروبا طوال هذه السنوات أبقت إسرائيل خارج إطار الشرعية الدولية وتجاهلت مطالب العرب وتنكرت لحقوق الشعب الفلسطيني في تناقض فاضح لكل ما ترفعه وتروجه من شعارات!
كم من القرارات صدر لحل الصراع، وكم من المؤتمرات عقد باسم دفع عملية السلام، وكم من المفاوضات دارت بعد الحروب للتوصل إلى اتفاقات، وكم من الاتفاقيات الثنائية عقد، ولكن لا شيء تحقق لامن هذه الشرعية الدولية ولا من المؤتمرات السياسية الإعلامية الدولية ولا من الاتفاقيات الثنائية، ولا يتحقق سوى استمرار الاحتلال واستمرار العدوان على الشعب الفلسطيني، وأيضاً استمرار المفاوضات بلا نهاية والمؤتمرات بلا نتيجة!
وإزاء ذلك تتعددت استجابات العرب للتحدي العدواني الإسرائيلي، البعض رأى أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة حتى تعترف إسرائيل بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني سلما أو قتالا، وأن الاحتلال بالقوة الذي لم ينته يوما بالرضى لا يرد عليه إلا بالمقاومة.
والبعض رأى أن الحل العسكري لا يجدي والطريق الوحيد هو المفاوضة والاعتراف بالأمر الواقع وأخذ كل ما يمكن أخذه من حقوق عربية مغتصبه بالتفاوض بمنطق أن «ما لا يدرك كله.. لا يترك جله»، والوصول إلى تسوية تسمى بالسلام وليس بالحروب، وتنبأ بعضهم بأن حرب أكتوبر التي انتصرنا فيها هي آخر الحروب.
لكن إسرائيل بما شنته من حروب عدوانية بعدها على فلسطين ولبنان والتي تلقت فيها الهزيمة مرتين على يد المقاومة العربية بددت هذه المقولة لأنها قاعدة عسكرية أميركية لا وظيفة لها إلا الحرب والعدوان.. ومع ذلك أثبت العرب أنهم رغم الهزائم قادرون على الانتصار في الحرب بالجيوش مرة وبالمقاومة مرات.
ولأن السلام غدا لدى النظام العربي هو «الخيار الاستراتيجي» بعدما تخلى عن فكرة الحرب، سالمت الإدارة المصرية إسرائيل في «كامب ديفيد» واعترفت بها مقابل استعادة سيناء المصرية، صانعة بذلك أول سابقة في الصراع العربي الصهيوني بحل جزء من الصراع مقابل جزء من الأرض وجزء من السلام.
وسالمت الأردن الرسمية إسرائيل في «وادي عربة» واعترفت بها مقابل الاتفاق على استعادة الأرض والمياه الأردنية.. ووقعت منظمة التحرير الفلسطينية اتفاقية «أوسلو» مع الإسرائيليين، والذي بموجبه أنشئت السلطة الفلسطينية على جزء من الأرض الفلسطينية في الضفة وغزة بأفق إقامة الدولة الفلسطينية ..
ولكن المراوغة الإسرائيلية والخداع الأميركي والتخاذل الأوروبي والضعف العربي شجع العدوان الإسرائيلي والإجرام اللاإنساني على غزة عملا والسلام الإسرائيلي قولا، والأدهى ازدياد الانقسام الفلسطيني في الخيارات بين السلطة والحكومة، والعربي في المواقف بين شعوب ونظم وبين نظم ونظم!
في النهاية لم يعد في يد قادة العرب الآن ما يلوحون به سوى «مبادرة السلام العربية» وفق القرارات الأممية كطريق للتحرك نحو التسوية أو السلام.. لكن هذه المبادرة بدون استجابة إسرائيلية جدية لها يحتاج من الموقف العربي إلى إعادة تقييم بعد الخيبة بأنابوليس وقبل العشم بمؤتمر موسكو، والتلويح ببديل آخر أوله وحدة.. وأوسطه مقاومة.. وآخره سلام.