إذا كانت الديمقراطية والتعددية السياسية تمنح أحزاب اللقاء المشترك الحق في التعبير عن آرائها ومواقفها وتوجهاتها، بالطرق السلمية وعبر الوسائل التي لا تخالف الأنظمة والقوانين، فإنه ليس من حق هذه الأحزاب أو غيرها استخدام الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير على نحو مغاير لآداب وقواعد العمل السياسي والحزبي، واستهداف الأسس والمعايير التي تستند إليها العملية الديمقراطية، والتمادي في انتهاك الضوابط الدستورية والقانونية والإضرار بمصالح الوطن والمجتمع.
وفي هذا الإطار فإن ما يصدر من أحزاب اللقاء المشترك من ممارسات بهدف عرقلة المواطنين عن قيد أسمائهم أو نقل مواطنهم أو الحصول على بدل فاقد لبطاقاتهم الانتخابية هو عمل غير مسئول بل أنه يندرج في إطار الجرائم التي يعاقب عليها القانون باعتبار أن من يقومون بالاعتصام أمام بوابات المراكز الانتخابية أو يقطعون الطرقات أو يثيرون الفوضى ويقلقون الأمن سعياً منهم إلى إعاقة وصول المواطنين إلى المراكز الانتخابية إنما هم بذلك التصرف يقترفون عن سبق إصرار وترصد جريمة منع المواطنين من ممارسة حقوقهم الدستورية والديمقراطية. وبحكم القانون فمن يخرج شاهراً سيفه وعصاه وجزرته على الناس لحملهم وإثنائهم عن بلوغ مثل ذلك الحق الدستوري يصبح متمرداً على القواعد الناظمة لشئون المجتمع ومصالحه الوطنية.
وعلى أي صعيد كان فلا بد وأن تدرك أحزاب اللقاء المشترك أن الديمقراطية والتعددية السياسية ليست حالة منفلتة من والمسئوليات.. ولأنها كذلك فإن الديمقراطية تقتضي ممن يمارسها أن يتحلى أولاً بقيمها وأخلاقياتها وأن يتمثل ثقافتها ومقاصدها حتى يتسنى له التطبع على منهجيتها والتكيف مع متطلباتها والوعي بأهدافها.
ولكي يجتاز هذا الاختبار فلا بد له من تجسيد هذه المعاني والدلالات في سلوكياته وتعاملاته باعتبار أن هذه المحددات هي التي تشكل الإطار الموضوعي لمدى تمسكه بشروط البناء الديمقراطي الحر.
ويبدو أن مثل هذه المفردات لا تزال تفتقدها أحزاب اللقاء المشترك بدليل أنها لم تستطع حتى الآن الارتقاء بممارساتها إلى المستوى الذي يجعلها قادرة على التمييز بين خلافاتها وتبايناتها مع الحزب الحاكم وبين موقفها من استحقاقات العملية الديمقراطية التي هي أصلاً استحقاق للشعب بل أن تلك الأحزاب لم تفقه أن الانتخابات التي تتعامل معها بخصومة شديدة هي جوهر الديمقراطية وأنه لا معنى للديمقراطية إذا لم تجر الانتخابات في مواعيدها الدستورية.
وفي خضم هذا الانحدار غاب عن أحزاب المشترك أن ما تطالب به من تقاسم أو محاصصة أو مكاسب سياسية أو انتخابية خارج صناديق الاقتراع هو بكل المقاييس انقلاب كلي على نهج الديمقراطية وانحراف بمبادئها إن لم يشكل ذلك التوجه رغبة في إعادة إنتاج أزمنة الشمولية والدكتاتورية بما في ذلك من إساءة بالغة لكل تلك الشعارات التي طالما رددتها في خطاباتها السياسية والإعلامية، حيث وأن محاولة إعادة نسج واقع الديمقراطية على ذلك المنوال المتخلف يشكل مع الأسف الشديد التفافاً من العيار الثقيل على التحول والتطور والتراكم المعرفي والسياسي الذي حققه المجتمع اليمني في ظل النهج اليمني وأي دأب أو نزوح يتقصد مكتسبات المواطن لا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال بريئاً أو يهدف إلى مصلحة عامة أو مطلب نبيل بقدر ما يدور في فلك ذاتي ومصلحي ونفعي وانتهازي لمجموعة من الأشخاص والقيادات الحزبية التي اختلط عليها الأمر فلم تعد تفرق بين الخاص والعام وبين مطامعها ومطامحها وبين المصالح العليا للوطن والمواطن.
ومن يبحث عن منفعة لنفسه أو حزبه لا يضع في حساباته غير ذلك ولو كان الثمن ذبح الديمقراطية من الوريد إلى الوريد ووأد وجودها ومكاسبها المتحققة أو الساعية لتحقيقها على رؤوس الأشهاد.
وحسبنا أن الشعب بات يعرف حقيقة هؤلاء ونواياهم ويستوعب مراميهم وما يلهثون وراءه من مكاسب ومنافع ذاتية وأنانية وصدق الله العظيم القائل: (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ).
