«الوطن دون مواطن لا قيمة له ولا نفع منه مهما ضمت أرضه من ثروات وموارد، والمواطَنة ـ في حد ذاتها ـ ليست امتيازا إذا لم يقترن الانتساب للدولة بولاء مخلص، وانتماء صادق، وعطاء متفانٍ، والحفاظ على مكتسبات الوطن، والفخر بتاريخه ورموزه، فهذه هي المواطنة الحقّة كما ينبغي أن تكون».

بهذه الكلمات العميقة والمعبرة عن حقيقة المواطنة وشروطها، خاطب صاحب السمو رئيس الدولة أعضاء المجلس الوطني الاتحادي في الكلمة التي وجهها إليهم في افتتاح دور الانعقاد العادي الأول من الفصل التشريعي الرابع عشر في الثاني عشر من فبراير 2007، معلناً بدء مرحلة جديدة من عمل المجلس الذي ضم تحت قبته للمرة الأولى أعضاء منتخَبين من قبل هيئات انتخابية مختارة من قبل الحكومة، أثار اختيارها يومها جدلا بين مختلف قطاعات المجتمع.

لكنه لم ينف حقيقة أن هناك حراكاً بدأ يتشكل نحو تطوير عمل المجلس الوطني الاتحادي من حيث آلية اختيار أعضائه وتوسيع صلاحياته، فمهما اختلفت الآراء حول صيغة بدايات هذا الحراك، إلا أنه يبقى أفضل من الجمود الذي استمر أكثر من ثلاثة عقود من عمر الدولة.

وبعد ما يقارب العامين من هذا الخطاب الذي أكد يومها أن الآمال لا سقف لها، وأن الطموحات لا تحدها حدود، وأن التوقعات للمستقبل تزداد يقيناً، جاء خطاب صاحب السمو نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.

في افتتاح دور الانعقاد العادي الثالث من الفصل التشريعي الرابع عشر للمجلس الوطني الاتحادي الأسبوع الماضي، داعياً إلى المزيد من التفاعل مع مؤسسات وأجهزة الدولة، وأن تنزل اللجان من المجلس الوطني إلى الميدان لتتلمس احتياجات المواطنين وهمومهم، وأن لا تكتفي بالاجتماعات الرسمية، فأنجح جدول أعمال ـ كما قال صاحب السمو نائب رئيس الدولة ـ هو ما يوضع من خلال الواقع العملي على الأرض، لا ما يوضع في الغرف المغلقة.

هذه الآمال الكبيرة التي عقدتها القيادة على المجلس الوطني الجديد والطموحات التي عبرت عنها كلماتها، تلاقت مع رغبات وإرادة أبناء الوطن الذين رأوا في هذا التغيير ـ على محدوديته ـ فرصة لتطوير أداء المجلس وإحداث نقلة نوعية فيه، للانتقال به من مرحلة الاستشارة غير الملزمة للحكومة إلى مرحلة التشريع والمحاسبة، هذه المرحلة التي أصبحت قراراً متوقعاً منذ أن أعلن صاحب السمو رئيس الدولة في خطاب العيد الوطني الرابع والثلاثين عام 2005، أن المرحلة القادمة من مسيرة الاتحاد وما تشهده المنطقة من تحولات وإصلاحات، تتطلب تفعيلاً أكبر لدور المجلس الوطني الاتحادي، وتمكينه ليكون سلطة مساندة ومرشدة وداعمة للمؤسسة التنفيذية، مما يعني أن يتحول إلى مؤسسة تشريعية فاعلة.

هذا الزخم الكبير الذي هيأته الحكومة لتفعيل دور المجلس الوطني والانتقال به إلى مرحلة جديدة من العمل، لم ينعكس بالشكل المتوقع على أداء المجلس الذي أوشك أن يكمل دورته التي من المفترض أن تنتهي في الثاني عشر من فبراير 2009 حسب نص الدستور، بغض النظر عما يدور من حديث حول التمديد لأعضائه دورة أخرى، كي يتموا ما لم يتمكنوا من إنجازه خلال السنتين اللتين لم يقدم المجلس خلالهما شيئا مختلفا، رغم إعلان رئيس المجلس في كلمة الافتتاح الأسبوع الماضي أنهم قد أنجزوا قرابة 30 قانونا، وناقشوا قرابة 13 موضوعا عاما طرحوا من خلالها أكثر من 200 توصية، كما وجهوا ما يقارب 36 سؤالاً، وعقدت لجان المجلس ما يربو على 145 اجتماعاً.

كل هذه المنجزات التي تحدث عنها رئيس المجلس ـ مع تقديرنا لها ـ لا تعني أن المجلس الحالي قدم شيئا مختلفا عما قدمته المجالس السابقة منذ قيام الدولة، فمناقشة المجلس للقوانين التي تعرض عليه.

وتناوله للموضوعات العامة، وطرح الأسئلة، ليس هو الإنجاز المتوقع من هذا المجلس على وجه الخصوص، لأن كل هذا من الأعمال العادية التي قامت بها المجالس السابقة التي ربما تفوّق بعضها على المجلس الحالي ـ في هذه الناحية ـ بشهادة الكثيرين ممن عاصروا تلك المجالس أو تابعوا أداءها ويستطيعون المقارنة بينها وبين المجلس الحالي.

الجديد الذي لم يقدمه المجلس ذو النصف المنتخب حتى الآن، هو مناقشة خطة تطوير عمله التي كان يجب أن تكون على رأس جدول أعماله، هذه الخطة التي يقال إنه قد صرف عليها حتى الآن ما يقارب الأربعة ملايين درهم وكُلِّفت بوضعها شركة أجنبية بالتعاون مع لجنة من الأعضاء، لكنها لم تعرض حتى الآن على المجلس الذي لم يتبق له حتى نهاية هذا الفصل سوى خمس جلسات فقط.

تطوير عمل المجلس الوطني في رأينا كان يستحق أن يحتل قمة اهتمامات المجلس، لأنه الأساس الذي قامت عليه فكرة تشكيله بوضعيته الحالية التي أثارت جدلا يشعر الذين وقفوا معارضين له اليوم أنهم كانوا على صواب، بينما أخذ الإحباط يتسلل إلى نفوس الفريق الآخر الذي كان متفائلا بالتغيير مؤيدا لشكله باعتباره مرحلة انتقالية مؤقتة.

لذلك نعتقد أن دعوة صاحب السمو نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، لخروج لجان المجلس من الغرف المغلقة ونزولها إلى الميدان، قد جاءت لتحيي فكرة المكاتب التي سبق أن أُعلِن عنها ولم تر النور حتى الآن، لعجز في ميزانية المجلس كما يبدو بعد تجميد فكرة المكاتب، رغم أننا واثقون من أن الدولة لن تتأخر عن رفد ميزانية المجلس بكل ما تحتاجه لتحقيق الآمال التي تبنيها عليه، علاوة على أن بإمكان المجلس ترشيد إنفاقه بالتركيز على الداخل أكثر من الخارج.

لقد كنا نتوقع ـ وما زلنا نأمل ـ أن يكون العيد الوطني المطل علينا بعد أيام قليلة، فرصة ومناسبة للإعلان عن خطة تطوير عمل المجلس الوطني ومنحه صلاحيات تشريعية ورقابية توقف سيل الاتهامات التي توجه إليه بالعجز والقصور والسلبية، مع أنه قادر على تجاوز ذلك.

نعم، لقد كان بالإمكان أبدع مما كان، نقولها ونحن واثقون من رغبة قيادتنا في إحداث نقلة نوعية في أداء المجلس كما يحدث في كل قطاعات الدولة، لكننا نتمنى ونريد أن تأتي المبادرة من قبل المجلس نفسه هذه المرة، حتى يحسب لهذا المجلس أنه قد حقق إنجازا غير مسبوق، سواء مُدِّد لأعضائه الحاليين أم لم يُمدَّد، فالعبرة بالإنجاز والعمل لا بطول الأمل.

كاتب إماراتي

aliobaid2000@hotmail.com