تختلف مكانة الدول في النظام الدولي باختلاف القدرات والإمكانيات التي تتمتع بها الدول في التأثير على مجريات الأحداث والتطورات فيه، وهذه القدرات والإمكانيات متنوعة وتختلف من دولة إلى أخرى وقد تجتمع جميعها في دولة واحدة وقد لا تتوفر بالمطلق في دولة ما وقد يتوفر بعضها في دولة ما ولا يتوفر البعض الآخر.

تتراوح هذه القدرات بين القدرات العسكرية والقدرات السياسية والقدرات الاقتصادية والقدرات العلمية والتكنولوجية والتقنية. وأياً ما كانت تلك القدرات فبحجمها تستطيع الدول أن ترفع من مكانتها في النظام الدولي. تلك القدرات قد تكون قدرات موجودة في الدولة من الأساس وقد تكون قدرات مكتسبة.

فالشطارة هي في قدرة الدولة على تطويع تلك القدرات لصالحها وصالح مصالحها في النظام الدولي. في العالم العربي يوجد لدينا بعض الدول التي تمتع بدبلوماسية نشطة في محيطها الإقليمي والدولي من خلال استثمار قدراتها في سبيل تحقيق بعض المصالح، ومن بين تلك الدول نجد قطر والسعودية.

قطر تلك الدولة الصغيرة في المنطقة الخليجية تمثل اليوم مثالاً واضحاً وقوياً على قدرة الدولة على تطويع ما تتمتع به من قدرات لصالح خدمة مصالحها.

تعتبر قطر اليوم هي واحدة من أنشط الدول الخليجية في النظام الإقليمي العربي وتجاري بذلك الدور القيادي التقليدي الذي تقوم به المملكة العربية السعودية. فأينما تذهب في متابعتك للأحداث السياسية العربية فإنك ستجد دورا قطريا أو سعوديا واضحا لمحاولة مواجهة التحديات في المنطقة.

فمن فلسطين ولبنان إلى اليمن وموريتانيا والسودان تجد ثمة دورا قطريا فاعلا في محاولة إيجاد حلول لمشاكل تلك الدول، فقطر لم تقف مشاهدة للأوضاع بل بدأت تأخذ زمام المبادرة في وضع صيغ حلول وتسويات للعديد من المشاكل العربية. فبينما تتراجع دول عربية صاحبة المبادرة في الماضي عن أدوارها القيادية تبرز قطر كناشط دبلوماسي جديد مع السعودية التي تتمتع بهذا الدور منذ سابق الوقت.

ما تقوم به قطر والسعودية هو عين الصواب حيث اننا بحاجة إلى تحركات عربية لمواجهة قضايانا العربية من كل دولة عربية حسب قدراتها. لا أحد يستطيع أن ينسى الدبلوماسية القطرية النشطة التي كان لها الدور الفاعل في إعادة الحياة السياسية إلى وضعها الطبيعي في لبنان بعد شلل استمر لنحو عامين في ذلك البلد العربي الذي يتربص به الخطر من كل جانب.

نعم كان لقطر دور فاعل تشكر عليه كما كان لغيرها من الدول العربية كالسعودية وسوريا وكذلك الجامعة العربية أدوار في إنجاح الدبلوماسية القطرية في مواجهة خطر يتربص ببلد عربي جميل كلبنان.

هذا الدور القطري في لملمة الجراح العربية لا بد وأن يُشجع ويساعد من جميع الدول العربية ولا بد أن لا يتم عرقلته بتوجيه الانتقادات لقطر لمجرد أنها تلعب دور في محاولة لخدمة القضايا العربية فيما تقف دول عربية أخرى عاجزة أو غير راغبة عن القيام به.

فهذا الدور القطري يكمل الأدوار العربية الأخرى لاسيما أدوار المملكة العربية السعودية في محاولة لملمة الجراح العربية في مناطق عدة من العالم العربي وتقريب وجهات النظر بين الأديان التي أصبحت تتناحر فيما بينها باسم الدين ويكمل الدور المصري الذي يحاول هو أيضاً من جهته لملمة الشمل الفلسطيني بين المختلفين هناك. قطر والسعودية وكل دولة عربية صاحبة دبلوماسية عربية نشطة هي عز للعرب ولقضاياه وسنظل بحاجة لها.

إن قطر بدبلوماسيتها النشطة تعطينا مثلاً واضحاً على أن تحقيق أمن واستقرار ورخاء المنطقة العربية يتطلب تعاملا نشطا مع مثل تلك القضايا من أي دولة ما كانت صغيرة في الحجم أم كبيرة. فالدبلوماسية لا تعرف الصغير والكبير وإنما تعرف الذي يستطيع أن يسخر ما لديه من إمكانيات في خدمة الهدف المرجو تحقيقه.

وهذا ما تفعله قطر ودبلوماسيتها النشطة القائمة على تسخير ما لديها من قدرات وإمكانيات في سبيل خدمة المصالح العربية.

وهو ما تفعله كذلك السعودية التي لا تبخل بجهد فيه دعم للمصالح العربية والإسلامية. علينا نحن العرب أن نفتخر بوجود دولة كقطر ودولة كالسعودية وذلك لتحمل هذه الأعباء الكبيرة في خدمة قضايا العرب والمسلمين.

فهاتين الدولتين يمثلان الدبلوماسية العربية النشطة بكل معانيها. لذلك فإنه لابد على الدول العربية أن تتعلم من تلك الدبلوماسية وتتخذ بنفسها دبلوماسية نشطة شبيهة بالدبلوماسية النشطة لكل من السعودية وقطر أو أن تقدم المساعدة قدر الإمكان لإنجاح تلك المساعي القطرية والسعودية النشطة.

فهناك دول عربية كبيرة في الثقل إلا أنها وكما يبدو عاجزة على أن تقوم بدورها الريادي في خدمة الصالح العربي، وهذا الأمر يجلب مزيد من التحديات إلى العرب ويقلل من قدرة دبلوماسيتهم على تحقيق النجاحات. فنحن بحاجة إلى مزيد من الدول العربية لتبذل قصارى جهدها الدبلوماسي من أجل خدمة القضايا العربية وأن لا تكون عائقة في طريق خدمة القضايا والمصالح العربية.

فلا يكفي أن نبقى متلقين وغير متصلين بقضايانا العربية، فإن لم تساعد الدول العربية على أقل تقدير في حل قضايا منطقتها الإقليمية فإنها وبلا شك ستبقى تلك القضايا عالقة بلا حلول.

فلنبتعد عن النظرات المتشائمة التي تحاول أن تحبط كل محاولة عربية لخدمة المصالح العربية والإسلامية من خلال ربطها بتفسيرات تكون واهية ومجافية للحقيقة.

كل دور عربي لحل المشاكل والأزمات العربية هو دور إيجابي ويصب في صالح المصلحة العربية وعلينا أن نستثمر فيه ونبني عليه. فكل التوفيق للدبلوماسية القطرية النشطة والدبلوماسية السعودية النشطة في تحقيق الأمن والاستقرار والرخاء في المنطقة العربية.

جامعة الإمارات

binhuwaidin@hotmail.com