واتتني القناعة بأن لا أشغل نفسي بما يدور في أوساط أرباب الرأي والسياسة التي تنعقد بين وقت وآخر لترسم ملامح المستقبل وتخطط له، إلا بمقدار، وهو مقدار لا يشفع لي بالدخول إلى هذا المضمار الذي هو من شأن السياسيين وفقهاء الإعلام حصرا.

ولكن إغراء هذا الموضوع يدفع إلى الفضول، ومحاولة الدخول إلى أنفاق ما يدور في هذه الدهاليز التي يركن إليها أرباب الرأي ممن نصفهم بالقمم، والتأمل في سياق حياتهم اليومية التي تبلور علاقاتهم بالناس.

وكما أن للدول قمما تعقد لها المؤتمرات الباذخةً، فللرجال قمم أيضاً؛ وليس كل رجل قمّة، وما أعنيه هم أولئك الرجال القمم الذين يرسمون لنا واقع الحال وآفاق المستقبل، ويتحكمون في مصائرنا ممن يسعفنا الحظ أحيانا بلقائهم والتبرّك بمآثرهم، والتبجّح بالتقاط الأخبار منهم كمراجع لا يأتيها الباطل من أمام ولا وراء، وربما عمدنا إلى توثيق حضورنا معهم بالصور التذكارية، من يزعم أن موضوع الفقر في العالم وانتكاس الأسواق المالية، والكوارث الطبيعية، والألم العراقي اليومي.

والعذاب الفلسطيني، والوجع اللبناني، هو وحده الذي يستأثر بحديث (القمم) في مجالسها وأمسياتها، غلطان، فللناس، سواء من كان منهم في القمة أو من كان في السهل أو الوادي، منافذ أخرى للإطلالة على الحياة والتصرّف بشؤونها والاستمتاع بما يتاح لهم من الصفاء واقتناص عصافير البهجة؛ ولولا ذلك لتخثّر الحزن وتقدّم إلى حافة الجنون.

والقمم لا يختلفون في ذلك عن سواهم، فهم بشر مثلنا، بافتراض حسن النية؛ ولكننا، ربما لنقص في تجاربنا، نظنهم منذورين فقط للجد والاستغراق في الشأن العام، ومراجعة خطط التنمية، وحضور المؤتمرات والإعداد للندوات.

واستقبال الوفود ومراعاة البروتوكول، والانشغال بمتابعة ما يجري في العالم، عدا مشاغل الوزارة، إذا كان القمة وزيراً، وتصفية ما يتناقله الموظفون من غيبة ونميمة، إلى غير ذلك من أمور نعرفها ولا نعرفها. وعلى هذا الأساس، يصعب تصورهم ضاحكين في زحمة الهموم، لا يهتزّون للنكتة ولا يستجيبون للنادرة، ويلبسون قمصانا بأكمام قصيرة، فقمصان القمم يجب أن تكون قمة القمصان.

في كل الأحوال، يبدو توقنا الشديد إلى الحديث مع هذه القمم، والتماس رأيها في ما يدور من أمور، أمرا معقولاً، فهم الذين يطلّون علينا بملامح المسؤولية، وهيبة المظهر، ويطيّبون خواطرنا ويحسنون علم الكلام الحديث، فيقلبون الأسود أبيض، ويّتحفوننا بما لا علم لنا به. ونروح نحن نتبجح بما سمعناه منهم، فنحسّنه ونزيد فيه، وربما ادّعيناه لأنفسنا.

فرأي القمة قمة الرأي ، وقد كانت لي مناسبات جمعتني ببعض القمم من إخواني العراقيين خصوصاً؛ كانت تبدأ، على عادتنا العراقية، بالسلام والـ (الله بالخير) والتساؤل عن الحال والعيال وما يشغل البال، ثم يتلوه استعراض عام لما يجري في الوطن من انقسامات في الرأي، وتوتّر في الأعصاب، وحواجز ومفخخات، ومشاريع مصالحة.

وما إلى ذلك من أحاديث تبدأ بلطف وهدوء وتتدرج إلى نبرة عالية، فتندلق الاجتهادات والسيناريوهات والاتهامات والتزكيات والتوجّسات؛ وتطرح على المائدة المشاريع الجديدة التي تخضع لـ (الجرح والتعديل)، والحذف والإضافة، حتى تصبح مسوّدة المشروع مهلهلة بفعل الشطوب والتعديلات التي يأتي بعضها من ذوي العلم وأغلبها من متحمّسين يختزلون الوقائع بحثا عن نهاية سريعة للمحنة التي طالت وأفسدت مذاق الحياة.

وبعد أن ينشف الريق، وتمتلئ المنافض بأعقاب السجاير، ويأخذ الظرف مجراه، وينفتح المؤجل من الكلام، والمحظور منه أيضاً، وترى الناس يعودون إلى مزاجهم المسروق وحاجتهم الطبيعية، وتتسم الوجوه بالصفاء، والآذان بالإصغاء، وتنطلق الأغاني التراثية التي غالبا ما تتقاطع مع بعضها، والطرائف والنكات والتعليقات البريئة وغير البريئة.

وتستمر الحياة على طبيعتها، فلا غالب ولا مغلوب ، ولكنهم حين يذهبون إلى الفراش، تستيقظ كوابيس الواقع، وتتوالى الصور المرعبة، فتتلوّى الأضلاع وتئن الجوانب، ويتعذّر النوم المريح.

وفي الصباح يبدأ تدجين القلق، والتمرّن على اتقاء المصائب، والسير على بيض المفخخات، ثم تستمر الحياة ضمن دائرة الموت اليومي الذي لا تُحزر نهايته. إنها الحياة.

كاتب عراقي

gmohammed_saggar@yahoo.fr