يتعرض المجلس العسكري الحاكم في موريتانيا الى ضغوط شتى من قبل المجتمع الدولي لدفعه الى التراجع عن انقلابه، واعادة النظام الدستوري المنتخب الى سدة الحكم، والا فعليه ان يتوقع عقوبات اقتصادية وسياسية في المستقبل القريب.

بالامس قرر المجتمع الدولي في ختام اجتماعه الذي عقده في اديس ابابا عاصمة اثيوبيا مؤازرة موقف الاتحاد الافريقي واعطاء المجلس العسكري الموريتاني الحاكم فرصة اخرى للتفاوض، قد تكون الاخيرة قبل فرض هذه العقوبات، ويبدو ان المجلس ما زال يتمسك بموقفه ويطلب المزيد من المفاوضات لكسب الوقت.

صحيح ان المجلس العسكري الحاكم نفذ بعض مطالب الاتحاد الافريقي، وتجاوب مع ضغوط اوروبية، بالافراج عن الرئيس الموريتاني المخلوع سيدي ولد الشيخ عبد الله، ونقله الى مسقط رأسه على بعد 250 كيلومترا عن العاصمة، مع السماح له بالالتقاء بمن يشاء من الاعلاميين والسياسيين، ولكن هذا الاجراء على اهميته يظل غير كاف. فالرئيس المخلوع ما زال عمليا تحت الاقامة الجبرية، ولا يملك حرية التنقل، والعودة الى العاصمة ومباشرة حياته بشكل طبيعي.

وتقود فرنسا رئيسة الاتحاد الاوروبي حتى نهاية العام الضغوط الاوروبية على النظام العسكري في نواكشوط، وهدد اكثر من مسؤول فيها بعقوبات قد تصل الى قطع العلاقات الدبلوماسية او تخفيضها الى حدودها الدنيا، ووقف كل انواع المساعدات المالية والتقنية لموريتانيا.

النظام العسكري في موريتانيا لم ينجح في كسب الا القليل من الاصدقاء لجانبه، سواء داخل موريتانيا او خارجها، رغم وعوده بالتخلي عن السلطة وتنظيم انتخابات رئاسية، وتقديمه بعض رموز الفساد في العهود السابقة الى المحاكمة، الامر الذي يعكس مدى حراجة موقفه، وصعوبة مهمته في البقاء في السلطة، او الانسحاب منها بطريقة التفافية، تحفظ له الحد الادنى من الكرامة الوطنية.

فاجتماع اديس ابابا الذي انعقد في مقر الاتحاد الافريقي وبحث الملف الموريتاني بحضور ممثلين عن الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي والمنظمة الدولية للفرانكوفونية والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي اغلق كل ابواب المناورة في وجه هذا النظام، ووضعه وجها لوجه امام المجتمع الدولي بأسره، عندما طالب بعودة النظام الدستوري في اسرع وقت ممكن في غضون ايام قليلة قبل تطبيق العقوبات.

الرئيس المخلوع يجب ان يستعيد حريته وان يعود الى سدة الرئاسة، واذا كانت هناك جهات موريتانية تختلف معه، وطريقته في الحكم، فعليها الاحتكام الى المؤسسات الدستورية المنتخبة اولا، مثل البرلمان والمحكمة العليا او الضغط عبر الوسائل الديمقراطية لاجراء انتخابات عامة، اما اللجوء الى القوة المسلحة لتغيير النظام، بالطريقة التي شاهدناها، فهو امر مرفوض لا يمكن القبول به.

نتمنى ان يتجاوب النظام العسكري الحاكم في نواكشوط مع رغبة المجتمع الدولي، ويعيد الرئيس المخلوع الى سدة الحكم في اسرع وقت ممكن، لتجنيب موريتانيا عقوبات اقتصادية ستلحق ضررا كبيرا بشعبها الذي يعاني من ظروف معيشية صعبة للغاية، وحفاظا على الديمقراطية الموريتانية الوليدة التي اثبتت قدرتها على الصمود وتحقيق طموحات الشعب الموريتاني في الحرية.

لا نجزم بان هذه الديمقراطية خالية من العيوب، ولا ننفي ان اخطاء حدثت، وعمليات فساد وقعت، ولكن علينا ان نعترف بانها امور متوقعة، وان كانت مدانة سلفا، فهذه الديمقراطية ما زالت في طور التكوين وهي افضل بكثير من حكم الدكتاتوريات العسكرية التي افلست البلاد، وبددت ثرواتها، وحرمت شعبها من ابسط حقوقه في العدالة والمساواة.