ربما كانت أزمة القرصنة في خليج عدن مناسبة لدق أجراس الخطر للتنبيه إلى خطورة ترك النزاعات العسكرية الأهلية داخل الدول لتستفحل وتتضخم, إن ما يجري في مدخل البحر الأحمر من هجوم القراصنة على السفن التجارية واختطافها سعيا للفدية, هو تطور طبيعي لإهمال المجتمع الدولي لمشكلات الصومال الداخلية, فكانت النتيجة ان تحولت هذه الفصائل المسلحة المتقاتلة الى عصابات تخطف وتهدد وتثير الخوف والقلق في نفوس الجميع.
والمتابع لتطور عمليات خطف السفن بالقرب من السواحل الصومالية سيجد ان الخطر لم يقتصر على سفن دولة دون أخريى بل تعرضت دول عديدة لعمليات القرصنة كان من بينها أوكرانيا ومصر, ثم امتدت يد القرصنة الى السفن السعودية. وإذا ظل المجتمع الدولي مكتوف اليدين يكتفي فقط بالشجب والإدانة دون اتخاذ اجراءات حقيقية فعالة فسوف يوسع القراصنة نشاطهم الإرهابي طمعا في المزيد من المال.
ولعل هذا ما قصده الرئيس حسني مبارك في تصريحاته إلى رؤساء تحرير الصحف المصرية عندما قال: إن مواجهة هذه القرصنة مسئولية جماعية تقع على كاهل كل الأطراف والأساطيل الموجودة في المنطقة, وطالب الرئيس مبارك بسن تشريعات دولية جديدة للتعامل مع هذه الظاهرة الطارئة وطلب من الأمم المتحدة التحرك في هذه القضية.
ولا شك ان هناك قضايا عالمية لايصح ولا يمكن لدولة واحدة ان تواجهها لوحدها مهما عظمت امكانات هذه الدولة, ومن بين هذه القضايا موضوع القرصنة هذا.
وقد يكون من الضروري في هذا الصدد لفت الانتباه الى ان الإدانة والشجب ولطم الخدود لن تفيد في شئ لأن المشكلة اعمق من الكلام, وتتمثل المشكلة ببساطة في أن هناك شعوبا ــ كالشعب الصومالي ــ فقدت أي أمل في إيجاد حلول لمآزقها الداخلية فتحولت إلى القرصنة وهنا يكون من المهم جدا علي المجتمع الدولي السعي لعلاج مشكلات هذه الشعوب من جذورها.
وإذا كانت بعض القوى الكبرى قد أعطت لنفسها الحق في غزو واحتلال دول أخرى بحجة مكافحة الإرهاب, فإن على هذه القوى ان تتحمل مسئوليتها الآن في مواجهة ما يجري في خليج عدن كما فعلت من قبل في الخليج العربي!
وقد كان من اللافت في الاجتماع التشاوري الذي شهدته القاهرة أمس الأول, وضم ممثلين عن الدول العربية المطلة على البحر الأحمر, ان أكد المجتمعون ضرورة احترام سيادة دولة الصومال ووحدة وسلامة أراضيها, إنهم يدركون ان القرصنة هي عرض لمرض, وهذا المرض هو تدهور الأوضاع السياسية والأمنية في الصومال.
وفي السياق نفسه أكدت وزارة الدفاع الأميركية, ان استخدام القوة العسكرية لايعتبر ردا مناسبا على تصاعد أعمال القرصنة في القرن الإفريقي, وهكذا فإن أميركا نفسها تعترف بصعوبة إيجاد حل عسكري لقضية القرصنة مما يطرح سؤالا مهما عن البديل, وهنا لن يكون هناك بديل أنجح من بدء تنمية اقتصادية حقيقية في هذه الدول الهشة المنهارة التي يخرج ابناؤها الجائعون لمهاجمة سفن الآخرين!
وقد أعلنت مصر من جانبها ان كل الخيارات مفتوحة للتعامل مع الأزمة, خاصة أن الأنباء تواترت عن بدء تأثر دخل قناة السويس بسبب هذه الأزمة, ويعرف الجميع ان مصر لاتقف مكتوفة اليدين أبدا عندما يتعلق الأمر بأمنها القومي وبسلامة أبناء شعبها.
ويعرف الجميع أيضا ان منظومة الأمن القومي المصري لديها من الخبرة والكفاءة ما يمكنها من التعامل مع كل هذه الأحداث الطارئة, سواء كان دبلوماسيا أو سياسيا, أو حتى عسكريا إذا دعت الحاجة.
لكن تظل الفكرة الرئيسية هنا انه مهما تعددت الخيارات فإن حل مشكلة الشعب الصومالي من الداخل هي بداية القضاء على أزمة القرصنة في القرن الإفريقي.
