خلال الأسبوع المنصرم كشف نائب بريطاني سابق كذبة عظمى بشأن الحيثيات التي اعتمد عليها رئيس الحكومة البريطانية توني بلير كذرائع قانونية لمشاركة بريطانيا في غزو العراق.
وفقاً للرواية تلقى بلير مذكرة رسمية من كبير المستشارين القانونيين للحكومة البريطانية اللورد بيتر جولد سميث، توخى فيها اللورد الكذب في نقطتين أساسيتين. وبناءً على هذه المذكرة استصدر بلير في البرلمان قراراً بشن الحرب على العراق في تضامن مع الولايات المتحدة.
الآن وبعد أكثر من خمس سنوات على الحرب، يطلع اللورد جولد سميث وينزل دون أن يتعرض لتحقيق أو حتى مجرد مساءلة. وكذلك بقي توني بلير إلى أن ترك الحكم طوعاً.. ويبقى كذلك حتى اليوم وهو خارج السلطة. فماذا يتبقى من مبدأ المحاسبة ومبدأ سيادة القانون في النظام الديمقراطي في دولة تعتبر في مقدمة ديمقراطيات العالم؟ النقطتان الأساسيتان اللتان كذب فيهما اللورد من أجل تمكين رئيس الحكومة من تبرير شن الحرب هما كما يلي:
ـ إن عراق صدام رفض الانصياع لقرارات من مجلس الأمن الدولي التي طالبته بالتعاون الكامل مع لجنة التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل.. إذ لا يتوفر أي دليل ملموس يثبت هذا الرفض المزعوم.
ـ إن المذكرة خلت من أي إشارة إلى أن فريق التفتيش برئاسة الدبلوماسي السويدي هانز بليكس، لم يعثر على أسلحة دمار شامل في العراق وأن بليكس كان على وشك استكمال مهمته ليتقدم بشهادة إلى مجلس الأمن الدولي ببراءة العراق.
لقد تعمد كبير المستشارين القانونيين إغفال هاتين النقطتين الأساسيتين، ليقدم إلى رئيس الحكومة البريطانية ذريعة قانونية تبرر استخدام القوة ضد العراق. لكن هنا يطرأ سؤال: هل كان توني بلير ضحية لتضليل معلوماتي من مستشاره القانوني أم أن رئيس الوزراء تعمد أن يطلب من المستشار ذرائع «مطبوخة» بما يعني أنه كان هناك تواطؤ بين الاثنين؟
من الواضح أنها حالة تواطؤ.. وإلا لأمر رئيس الحكومة بإحالة مستشاره إلى محاكمة جنائية، أو على الأقل محاسبة إدارية بعد أن اعترفت الإدارة الأميركية نفسها بأن تملك عراق صدام أسلحة دمار شامل كان فرية.
في سبيل شن حرب غير مبرر، شرعياً قام توني بلير بتضليل البرلمان والرأي العام البريطاني، بقدر ما قام جورج بوش بتضليل الكونجرس والشعب الأميركي. والسؤال الثاني الذي ينبغي أن يطرح هو: ما معنى الديمقراطية ومبادئها الارتكازية، كالمساواة أمام القانون بين الجميع ـ محكومين وحاكمين ـ وسيادة القانون ومبدأ المحاسبة، إذا كان مسموحاً لحاكم أن يقحم بلاده في حرب تدميرية بناءً على معلومات ملفقة، وهو مطمئن لا يخشى لومة لائم؟