في أي قضية في العراق تستفحل حالة الاستقطاب والاصطفاف، وفي شأن الاتفاقية العسكرية مع الأميركيين اختلف العراقيون على كل شيء، بدءاً من المبدأ وصولاً إلى التسمية، وفي شأن انتخاب المحافظات انقسم العراقيون إلى خمسة أقسام على الأقل.

وأمس أظهرت الحشود التي سارت في شوارع العاصمة بغداد أن نطاق المعارضة للاتفاقية كبير، وأن الشريحة التي لا ترضيها شرعنة الوجود الأميركي في بلادها أكبر بكثير مما يتصوره البعض ويصوره الإعلام.

المطلوب الآن من الحكومة العراقية، ومن الأحزاب والكتل السياسية، أن تجتهد وتتفق على إيجاد المناخات التي تعمل على رص الصف وتوحيد الكلمة وتنقية الأجواء وتفادي تصعيد الأزمات، والتوصل إلى رؤية واضحة حول مختلف القضايا، فلا يجوز أن يبقى البلد يتخبط في غمار كل قضية..

حتى لو كانت الاتفاقية الأمنية الأميركية، فالعراق لكل العراقيين.. ليس للأحزاب الحاكمة فقط، وليس بالتالي للكتل السياسية المعارضة، ولا يمكن تمرير شيء ضد رغبة الأغلبية، وإلا تحول الأمر إلى مزيد من الانفجار والأزمات، وليس إلى أمن واستقرار.

التخوف لدى الكثيرين من أن تخفي الاتفاقية وراءها أجندة خفية، والتخوف الأكبر من أن تكون المعارضة هي أيضا تتبع أجندة خفية.. وكل فصيل أو جهة تشكك في الأخرى وتتهمها في ولائها، والضائع في هذا كله هو العراق وشعبه المسكين الذي طال حلمه وانتظاره للأمن والسلام والاستقرار، لابد من توافق الجميع، فأياً يكن الموقف يجب أن يكون نابعاً من المصلحة العامة، ومصلحة كل العراقيين، لا لطائفة ولا ملة ولا لعرق.. بل للعراق.

يكفي العراق ما أصابه منذ العام 2003 حتى الآن، وآن أوان إعادة بنائه، والمدماك الأول في هذه «الورشة» يجب أن يكون الوحدة الوطنية، والاتفاق على كل القضايا فلا مجال لخلاف يقسم البلد أكثر مما هو منقسم ومهدد. فالفوضى، حتى لو كانت «بناءة» أو «خلاقة» ليست في صالح العراق، ولا في صالح العراقيين ومن ورائهم العرب جميعا.

البعض يرى الاتفاقية شراً لابد منه لمنع شرور أكبر، ولا يمكن تجاهل آراء كثير من العراقيين والمراقبين من أن أي انسحاب متعجل سيثمر فوضى وتقسيماً للعراق، وسط دعوات وتحضيرات متزايدة لتحقيق هذا المخطط.

ويجب على العراقيين أيضا منح قيادتهم الثقة الكافية، بعيداً عن التخوين المسبق، فلا إمكانية لبناء بلد، وخوض معركة إعادة البناء، والمسيطر على المواقف التشكيك وإطلاق اتهامات الخيانة، فالثقة، الثقة حتى يعود العراق.