يستمر مسلسل الأزمة المالية العالمية في حصد ضحاياه وتقف اليوم على أعتاب الأزمة سوق صناعة السيارات العالمية. ففي الولايات المتحدة تقدمت كبرى الشركات كجنرال موتورز وفورد وكرايسلر بطلب مساعدات مالية حكومية لمواجهة الأزمة تقدر بحوالي 25 مليار دولار وحتى لا ينتج انهيار كامل في قطاع السيارات الأميركية وما يتبع ذلك من تسريح للموظفين والعمال ووضع المزيد من الضغوط على الاقتصاد المثقل بالمشاكل.
شركة كرايسلر على سبيل المثال قاربت على إشهار إفلاسها وجنرال موتورز التي تمتلك الشركة الأوروبية أوبل ليست بأفضل حالاً والاقتصاد الألماني الصناعي يعاني من كساد بحسب التصريحات الرسمية مما يدفع بمزيد من الضغوط عليها نتيجة تملكها لشركة أوبل. الاقتصاد الألماني والذي يعاني الكثير لديه بحسب الإحصاءات واحد من بين ست وظائف مرتبطة بقطاع السيارات. وبالتالي فهو قطاع حيوي سيشكل انهياره أو التراجع فيه أزمة كبيرة لأكبر اقتصاد أوروبي.
في النهاية ربما لا تشكل صناعة السيارات إلا جزءاً يسيراً من حجم وبعد الأزمة المالية ولكنها تظل جزءاً من الكل وبالتالي فإن مشاهدة انهيار القطاعات المالية والصناعية العالمية واحدة بعد الأخرى مؤشر على مدى تفاقمها وقوتها وعدم إمكانية لجم جماح الأزمة التي يبدو أنه مازال فيها الكثير من المفاجآت.
فكما أن الانتعاش يأتي في قالب التسرب الاقتصادي للثروة والعمل من أعلى إلى أسفل فإن الكساد يأخذ نفس المنحى بدءاً من القطاع المالي الذي يعد قلب الاقتصاد الذي يضخ الدماء ومروراً بالصناعات الثقيلة والأساسية وانتهاءً بالصناعات المساعدة. واليوم بعد أزمة الرهن العقاري والبنوك يقف سوق البطاقات الائتمانية والسيارات على أعتاب الأزمة. وربما غداً أسواق قطع الغيار وغيرها الكثير من الصناعات المساندة مما ينبئ باستمرارية وتفاقم الأزمة.
هذه الأزمة قامت بتعرية النظام الاقتصادي العالمي ووضعت حداً لثقافة الاستهلاك والإنتاج الفائض عن الحاجة وبالأخص لفكرة التمويل بالدين المستمرة والتي تأخذ شكل حلقة مفرغة من الجشع ومحاولة الكسب السريع فكلما كثرت الديون زاد الإنتاج حتى بات الاقتصاد كله مسيراً على الديون. هذه الحلقة كسرت اليوم وأصبحت لها أبعاد كارثية اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً ونفسياً.
ولا بد لحركة التصحيح الاقتصادي هذه أن تأخذ مجراها وحتى لا يندفع العالم لحافة الجنون التي كان في طريقه إليها مما عاد على البيئة قبل كل شيء بالدمار والمشاكل. وما يهم اليوم ونحن نشهد انهيار شركات صنعت القرن العشرين أن نعي الدرس الأهم المتمثل في أنه لا دوام لشيء مهما كبر على مر الزمن وأن الأهم في دورة الحياة هو القيمة في العمل والإنتاج.
علينا أن نعمل على إعادة تعريف ثقافتنا الاقتصادية مستعينين بالدروس المستفادة من هذه الأزمة وأن نحاول قدر المستطاع أن نحول طاقاتها السلبية إلى طاقات إيجابية في الإبداع والإنتاج القيمي لعلنا نخرج منها أفضل حالاً مما دخلناها.
