أيسلندا الجزيرة الصغيرة الواقعة في شمال الأطلسي بين أوروبا والولايات المتحدة ألأميركية وعضو حلف شمال الأطلسي، كانت أول دولة يصاب اقتصادها بانهيار تام إثر الأزمة المالية العالمية وذلك بعد انهارت بنوكها كلها وأعلنت إفلاسها مع بداية الأزمة.
وفوجئ العالم كله بهذه الدولة الصغيرة التي كانت يوما ما أهم قواعد حلف الناتو والقوات العسكرية الأميركية تتجه مباشرة نحو العدو القديم التقليدي لحلف الناتو روسيا تطلب منها المساعدة. وتساءل الكثيرون: لماذا يترك واشنطن والأوروبيون حليفتهم الصغيرة تلجأ لروسيا تطلب المساعدة المالية منها؟
وهلل الأيسلنديون فرحا بموافقة موسكو على منحهم قرضاً بنحو أربعة مليارات يورو لمواجهة الأزمة، ولكن هل من المعقول أن الأوروبيين وواشنطن ليس لديهم أربعة مليارات يورو يعطونها لأيسلندا بدلا من أن تذهب «فريسة» لروسيا ? على حد ظنهم -؟
لم يصرح المسؤولون الأيسلنديون آنذاك عن سبب لجوئهم لروسيا، والتزموا الدبلوماسية في الحديث عن أصدقائهم وحلفائهم الأوربيين والأميركيين، لكن الحقائق تكشفت مؤخرا، حيث تبين أن صندوق النقد الدولي الذي تسيطر واشنطن على قراراته رفض طلب أيسلندا بالمساعدة بحجة أن ظروف الأزمة العالمية لا تسمح له بمساعدة دولة واحدة خشية أن تطلب باقي الدول المساعدة وهو ما لا تطيقه ميزانية الصندوق.
هذا عن الصندوق، فماذا عن الأصدقاء؟
رئيس جمهورية أيسلندا أولافور راغنار غريمسون الذي كان يستقبل الأسبوع الماضي سفراء 13 دولة فاجأ الجميع بسؤال وجهه للسفير الروسي قائلا: «ألا تريدون استخدام القاعدة العسكرية في كيفلافيك؟»
السؤال أصاب جميع الحضور بدهشة أقرب للصدمة، فهذه القاعدة العسكرية كانت تشغلها القوات الجوية ألأميركية حتى عام 2006، وغادروها على أن يعودوا إليها مرة أخرى وقتما استلزم الأمر، باعتبار أن أيسلندا حليف مضمون لواشنطن وعضو في حلف الناتو.
ولكن سؤال الرئيس الأيسلندي للسفير الروسي أثار فضول الجميع، ولم يجد السفير ما يجيب به عن السؤال سوى أن اعتذر عن عدم قبول هذه الهدية، مشيرا إلى أن بلاده لا ترى ضرورة لإرسال قواتها إلى أيسلندا.
عند هذا الحد لم ينته الحوار، فقد أثار سؤال الرئيس الأيسلندي فضول الحضور.
وخاصة الإعلاميين الذين توجهوا إليه بالأسئلة حول موقف حلفائه وأصدقائه في أوروبا وواشنطن من معاناة بلاده من الأزمة المالية ولجوئها لروسيا، وفوجئ الحضور بالرئيس الأيسلندي يوجه انتقادات لاذعة إلى «الأصدقاء القدماء» الذين تركوا أيسلندا التي تعاني أزمة مالية طاحنة لمصيرها وبخلوا عليها بأقل القليل من المساعدات التي لا تؤثر على اقتصاداتهم بأي شيء.
وأشار إلى أن رفض صندوق النقد مساعدة أيسلندا كان وراءه جهات كبيرة هي التي فرضت على الصندوق الرفض، ولم يصرح الرئيس الأيسلندي بشيء عن هذه الجهات، لكن الحضور جميعا يعرفون جيدا أن لندن هي التي تعيق العون المالي اللازم لأيسلندا بهدف الضغط عليها حتى تتعهد ريكيافيك بدفع تعويضات إلى المودعين البريطانيين الذين خسروا ودائعهم لدى أحد البنوك الإيسلندية المفلسة.
هذا يعني أن معاناة أيسلندا وترك اقتصادها ينهار هو في الواقع عقاب من الحلفاء لحليفتهم الصغيرة التي كانت بنوكها بالأمس القريب جنة المودعين والمستثمرين الأوروبيين لخلوها من الضرائب، بل أكثر من ذلك أن روسيا كانت تتهم أيسلندا وبنوكها بالتستر على الأموال المهربة من روسيا والتي تقدر بعشرات المليارات، والآن تنقلب الصورة تماما ليعاني المستثمرون وأصحاب رؤوس الأموال الغربيون من إفلاس بنوك أيسلندا ويدخل الأعداء القدامى الروس يلبون نداء المساعدة.
في إجابته عن سؤال حول أسباب اللجوء لروسيا بالتحديد قال الرئيس الأيسلندي غريمسون للدبلوماسيين الغربيين إن بلاده ستضطر للبحث عن حلفاء جدد.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني