يعاني النظام الفلسطيني السائد من أزمات مزمنة، تعيد إنتاج نفسها في كل مرحلة، وعند كل مفصل تاريخي، وإن بمظاهر وعناوين مختلفة، حينا بدعوى الوحدة الوطنية، وحينا آخر بدعوى الشرعية، وفي أحيان كثيرة بدعوى الهدف الاختلاف على الهدف السياسي.

وعلى أهمية كل هذه الادعاءات، فإن الأزمة السياسية الفلسطينية أعمق وأعقد من ذلك، فهذه الأزمة هي من النوع الشامل، والمركّب، كونها تطال البني والعلاقات والمفاهيم، وأشكال العمل السائدة، في هذه الساحة، سواء على جبهة السلطة أو المعارضة.

وإضافة إلى ما تقدم فإن هذه الأزمة تستمد شرعيتها وفاعليتها من الأوضاع الداخلية أي من نمط العلاقات الاجتماعية والأوضاع الاقتصادية والثقافة السياسية السائدة، بقدر ما تستمدها، أيضا، من المداخلات الخارجية (المباشرة وغير المباشرة)، التي تتحكم بهذه الساحة.

ويمكن اختصار العوامل المكوّنة للأزمة الفلسطينية في الآتي:

أولاً، تخلّف البني الاجتماعية، وسيادة الروح «الأبوية» العائلية والعشائرية، في المجتمع الفلسطيني؛ الذي يبدو مجتمعا تقليديا في علاقاته ومفاهيمه وبناه. فهذا المجتمع لم يتعرف على المؤسسات السياسية الحزبية، مثلا، إلا في أواسط الثلاثينات من القرن الماضي، في وقت كانت فيه الحركة الصهيونية، التي تمثل أحزابا وتيارات متعددة، تمتد إلى قارات العالم، وتنظم مؤتمرات عالمية لها، وتقيم المؤسسات التمثيلية والتعليمية والثقافية والاقتصادية والعسكرية، للمجتمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين.

وحتى أن المؤسسات «الحزبية» الجنينيّة التي عرفها المجتمع الفلسطيني، قبل العام 1948، كانت ترتكز على البني العائلية والمناطقية. وطبيعي أن هذا الواقع سحب نفسه، بشكل أو بأخر، على الحركة الفلسطينية المعاصرة، وحكم إلى حد بعيد تركيبة الإطارات القيادية فيها، ومن ضمنها المجلسان الوطني والمجلس التشريعي؛ وهو الوضع الذي كرسته القيادة الفلسطينية السائدة، بسبب طبيعة مفاهيمها وطريقتها في إدارة العمل الوطني.

ثانياً، حرمان الفلسطينيين من الوطن وعدم تمتعهم، في الداخل والخارج، باستقلالية تتيح لهم التطور والنضج الاجتماعي والسياسي والثقافي، كمجتمع مستقل. وقد فاقم من وطأة هذا الأمر خضوع الفلسطينيين لأوضاع سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية متباينة، رسختها علاقات الاحتلال واللجوء والشتات المفروضة عليهم. ولاشك أن هذا التشوه في التطور الاجتماعي عكس نفسه بصورة سلبية على طبيعة الحركة الوطنية، وأعاق إمكانيات تجاوزها للواقع السائد، ببناه الاجتماعية ومفاهيمه الثقافية.

ثالثاً، التدخّلات والضغوطات الخارجية (المباشرة وغير المباشرة)، التي تمارس على الفلسطينيين وعلى قيادتهم، بوسائل مختلفة، لإجبارهم على التماثل مع المعطيات السياسية السائدة، سواء تعلق الأمر بالشأن الداخلي أو تعلق باتجاهات ومستويات الصراع ضد إسرائيل؛ وهي تدخلات نابعة من طبيعة القضية الفلسطينية ذاتها، باعتبارها قضية ذات أبعاد عربية ودولية أيضا.

رابعا، ضعف قدرة الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة (لأسباب ذاتية وموضوعية) على توليد حركة سياسية فاعلة، بمعنى الكلمة. أي حركة تعتمد على مجتمعها، وتستمد الدعم المعنوي والمادي منه، بدل أن تجعله يعتمد عليها. ولعل من معضلات هذه الحركة طغيان الروح الشعاراتية والعاطفية عليها، وتغليبها الطابع العسكري (الميليشياوي).

واعتبار القيادة أو التقرير بالخيارات السياسية شأنا يخص طبقة سياسية معينة، أو زعيما معينا، وهي سمات أدت إلى تآكل البني المؤسسية في هذه الحركة، وتغييب الحراك الداخلي والعلاقات الديمقراطية فيها؛ وهي عوامل تؤدي إلى أفول وتآكل الحركات السياسية.

خامسا، اتخاذ الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، طابع الصراع على الوجود، بحكم طبيعة المشروع الصهيوني، الاستيطاني الإحلالي، في فلسطين، وأبعاده الدينية ـ الأيديلوجية والوظيفية. فهذا الصراع ليس مجرد صراع بين شعب اغتصبت حقوقه ودولة مغتصبة، أو بين شعب يخضع للاحتلال وجيش الاحتلال، وإنما هو صراع يشمل المجتمع الذي ينتمي لهذه الدولة ولهذا الجيش، والذي يتماهى مع أيديولوجيتها وسياساتها.

كما أن هذا الصراع لا يقتصر على الجوانب العسكرية أو على إشارات الدولة أو على الأراضي (الجغرافيا)، وإنما يشمل الرموز والرواية التاريخية والثقافة والمعتقدات الدينية والمستقبل؛ وهي كلها عوامل تصعّب وتعقّد العملية الكفاحية للفلسطينيين، لاسيما في ظل المعطيات المحيطة بهم وفي ظل أوضاعهم الذاتية، راهنا.

سادسا، الخلل الفادح في موازين القوى وفي المعطيات الدولية والإقليمية لصالح إسرائيل (التي تتمتع أصلا بضمانة دولية في وجودها وأمنها)، وقد تفاقم هذا الأمر بعد انحسار البعد العربي في الصراع ضد إسرائيل، وبعد تحكم الولايات المتحدة بالنظام العالمي، وهي حليفة استراتيجية لإسرائيل، وكافلة أمنها وتفوقها النوعي. ومشكلة الفلسطينيين أن هذا الخلل، في مواجهتهم إسرائيل، لا يقتصر على الفجوة لصالحها في موازين القوى والدعم الدولي، فحسب، وإنما يشمل التطور الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والخبرات السياسية، وشكل إدارة الدولة والمجتمع، أيضا. والحاصل أن هذا الخلل كان متضمناً، وإن بشكل غير مباشر، في عوامل كل أزمة فلسطينية داخلية، بواقع إخفاق العمل الفلسطيني في تحقيق ما أخذه على عاتقه منذ العشرينيات، في مواجهة المشروع الصهيوني ثم في مواجهة إسرائيل، برغم بعض النجاحات المتعلقة بإبراز الهوية الوطنية الفلسطينية وزعزعة استقرار إسرائيل ومفاقمة تناقضاتها وفضح طابعها الاستعماري العنصري.

ولعل الغرض من هذا التحليل تحديد مسؤولية الفلسطينيين عن الإخفاق الحاصل في صراعهم الممتد ضد الصهيونية وكيانها إسرائيل.

فإذا كان الفلسطينيون يتحملون قسطا كبيرا من المسؤولية عن الخلل في إدارتهم لأوضاعهم الداخلية، لجهة التخلف والتخبط والفوضى في بناء مؤسساتهم وعلاقاتهم وشعاراتهم (مع الأخذ بالاعتبار المداخلات والخروقات الخارجية في هذا المجال)، فإنهم يتحملون قسطا اقل من المسؤولية عن ما آلت إليه الأوضاع الدولية والإقليمية، ذات الصلة مباشرة بالصراع العربي ـ الإسرائيلي؛ كي لا يتم الإجحاف بتضحياتهم وصمودهم ومعاناتهم.

فمما لاشك فيه أن قضية موازين القوى والمعطيات المتعلقة بالصراع ضد إسرائيل، ليس لها علاقة البتّة بطبيعة القيادة الفلسطينية، أو بسلوكها أو بتوجهاتها، لأن الطرف الفلسطيني هو مجرد لاعب صغير وهامشي جدا في لعبة الأمم، وفي المعادلات السياسية الدولية، برغم ما للقضية الفلسطينية من أهمية ومن مكانة، وبغض النظر عن مبالغة بعض الفلسطينيين بقدراتهم.

مع ذلك فثمة ضرورة للاعتراف، أيضا، بأن ثمن التدهور الحاصل في وضع الصراع ضد إسرائيل، وفي مواجهة التغيرات والتحولات الدولية والإقليمية، التي عصفت بالوضع الفلسطيني، كان يمكن أن يكون أقل إيلاما، في حال تمتعت القيادة الفلسطينية بالقدرة على الرؤية الاستراتيجية.

وبالشفافية والعقلانية والجرأة على المراجعة، في التعاطي مع المواقف والحسابات والمتغيرات السياسية، وفي حال بنت أوضاعها على قاعدة مؤسسية وديمقراطية وشعبية. وبالطبع في حال كان ثمة إجماع، وعقلانية، في سياسة الساحة الفلسطينية.

كاتب فلسطيني

mkayali@scs-net.org